الرئيسة> قصص قصيرة> نزهة إلى الأبد

نزهــة إلى الأبــد

 

لا أعلم بالضبط ما الذي ضربني في عقلي؛ كي أوافق على هذه الفكرة المجنونة، أنا الذي لا أحب البحر كثيرا، وأخافه حتى في الصيف.. حقا لقد فقدت عقلي حين سمعت كلامها، هي الجميلة، الفاتنة، المجنونة في نفس الوقت، أو ربما أن ما حدث هو ذاته ما سيحدث دائما حين يقع رجل ضعيف تحت تأثير شيطانة يحبها، إلى درجة الهوس.

 

- لماذا لا نذهب في نزهة إلى عرض البحر.؟؟

- في هذا الوقت.!!

- نعم.. في هذا الوقت.. كم أنا مشتاقة ومتلهفة لاكتشاف البحر في الشتاء..؟؟!

- لكنني لا أجيد السباحة، كما أنني لا أحب البحر كثيرا...

- لن تحتاج ذلك، لأننا سنستأجر يختا راقياً ونمضي في رحلتنا هذه...

 

وفعلا وافقت على هذه الفكرة، بعد افتتاني بقدرتها على إقناعي وأخذي إلى حيث تشاء..

هاتفتني وأبدت استعدادها وجاهزيتها، واطمأنت على جاهزيتي..

أطلت بعد لحظات عليَّ مرتدية جكيتا أبيض مفتوح على فانيلة حمراء ترفع صرها وتبرزه، فيبدو في ارتفاعه وفي زهوه وغروره مثل قبة مسجد صعدت إلى إلهها؛ من اجل اصال رسالة ما. وبنطال الجيز الممتد من رأس الدنيا إلى أسفلها، يعانق رغبتها ويطلق عنان جنونها مع كل هبة ريح، ويؤجل ثورتها إلى زمن أصبح أقرب بكثير مما كان عليه، ولأول مرة أراها تضع شالاً على رأسها، تتسلل من تحته خصلات شعرها المصبوغ بلونها المفضل الأحمر فتبدو مثل فارس رقيق يحاول جاهدا أن يؤجل موته لساعات بعد أن يعلن حقده على هذا الكون.

أخذنا اليخت المتفق عليه، وبدأت تفاصيل الرحلة تنسج بدايتها مع معانقة أشعة الشمس المنسدلة بخجل، من خلف غيمات شتائية أعلنت رضاها عنا، فلم تزمجر ولم تطلق عويل غضبها على هذا الكون،" كما فعلت هي"، كان الضوء الخافت للشمس يعطيني بين الفينة والأخرى فرصة ثمينة؛ كي أكتشف مع خفوته كم هي جميلة وجذابة ورائعة، وكم كانت تبدو مثل فراشة أعادت اكتشاف ألوانها وبريقها المعهود.. واكتشفتْ أيضا سر ضعفي وعجزي بين يديها. الحمرة التي ترتسم على شفتيها، تظهر فمها مثل نصف تفاحةٍ من تلك الشجرة التي أكل منها آدم قبل طرده من الجنة.. فأسأل هل سيكون مصيري مثل آدم...؟؟ وسرعان ما أعود إليها بحركتها الدائمة وشيطنتها المعهودة وطيشها الذي لا يتسع البحر له..

رذاذ البحر سرعان ما يرشنا بشيء من صقيعه الذي يذوب تحت حرارة عاطفاتنا، يدي في يديها تمسح عن وجه الواقع شيئا من البؤس والقهر الذي نحياه.. حقا إنها صادقة في كل ما ترويه، لقد عرفت أن البحر رائع في الشتاء، وأن أروع ما فيه هو دفئها الذي يدخل إليَّ من حيث لا أعلم، وهل من شيء غير البحر يتسع لهذا الجنون..؟

طبعت أول قبلة على خذي الأيسر وسرى دفء شفتيها في أزقة جسدي بأكمله، وأحسست بأننا دخلنا من جديد إلى هذا الكون من فتحة صغيرة تسمى القبلة، ضممتها إلى صدري الأشعث، كأن أما ضمتني إلى حضها، كي أمارس طقوس الرضاعة.. وفي لحظة انسحبتْ من بين يديّ هاربة إلى مقدمة الزورق....

اعرف طبع النساء جيدا إنها الآن تمارس طفولتها/أنثويتها عليَّ، كما أفعل أنا تماما، من الأفضل أن ألحق بها كي تشعر أنها الهاربة من قفصٍ أو سلطة أو ربما رجلٍ ستقع في أحضانه حين تأبى لحظة الذورة أن تفارقهما، حين تتماهى الأجساد في بعضها وتتورط في عذاب اللذة الحمقاء..ماذا يفيد هذا التسكع إذا ؟؟؟

نار الحب والرغبة تطفوا على زرقة البحر، ولون عينيها السوداوين يبوح بالاشتهاء.. لكنها العادة. تبعتها...فتوقفت هناك في الزاوية الأمامية في مقدمة اليخت، حيث يفصل حاجز حديدي بيننا وبين الماء، حاجز حديدي مرتفع ومتأهب للانقضاض عليَّ/ عليها، شعرت بقرب هاويتي كأنني أقف على شرفة مبني شاهق، سأقع منها لا محال.

كان شالها قد سقط عن رأسها وتعلق برقبتها متطايرا إلى الوراء مع الحركة الدائمة للريح، بينما شعرها المجنون يحلق بارتباك وقلق في فضاء من الأسئلة التي لم أجد/ تجد لها إجابات.. يبدو البحر تمام مثل واقعنا... متأهب للحظة سقوطنا فلا يرحمنا، يغرقنا، يذيبنا في حقده.. كما تذبحنا ألسنة الناس لو عبرنا سوية من شارع ما.. الأشياء كلها متشابهة بدرجة كبيرة، لكننا هنا سنموت برغبتنا وإرادتنا وبحبنا للحياة. أخيرا تستطيع امرأة أن تعبر كل هذه المسافات التي بيني و بيني/ بينها وتجرد العلاقة من كل شوائبها وتطلق رغبتها بي، تعاند البحر والريح وحصار الليل والكلمات وتخرج معي في التصدي لاحتلال العقول.. هل أعترف لها بأنها أذهلتني لدرجة أصبحت معها مثل مكوك الفضاء بطاقته حين يقرر الانفصال عن الأرض، والخروج إلى الفضاء الأوسع والأكبر...!!!

أمسكتها من يدها و ضممتها من جديد إلى صدري و تسللت يدي إلى أسفل خاصرتها التي تستدير حولها كل مفاهيم الرجال-الأغبياء- عن النساء، وانطلقت يدي الأخرى لتعبث بشعرها وتبحث في أزقته عن سر ما، فيما يدها كانت تحيط ظهري بإسار من الحب الغاضب والطوفان الذي لا يهدأ، التصق فمي بشفتيها وتبادلنا رحيق الرغبة المؤجل منذ زمن الحصار..

لحظات تذوقنا فيها طعم الحياة من الطرف المغلق، انفصلنا بعدها، فاستدارت معطية ظهرها لي، ووجهها للبحر ساندة يديها على الحاجز الحديدي... وأسقطت رأسها إلى ألأسفل.. في نظرة إلى صورتها التي طبعتها مياه البحر الرائقة إلى حدٍ ما، مكسبة إياها شيئا من التوتر والحركة القلقة.. وبدت للوهلة الأولى كأنها ندمت على شيء فعلته أو أنها تذكرت وصية ما...

يفصلنا الآن عن الشاطئ 14 كم2...

وسألتني: كم يفصلنا الآن عن الشاطئ.؟؟

-      إنها نفس المسافة التي تفصل بيني و بينكِ..

وبالانفعال أطلقت صرختها في وجهي..

- هل تحبني..؟؟؟

- .........." أه لقد ضربني على الجرح الذي لا أحب أن يصله أحد هل أعترف لها أنني أجبن من هذا الاعتراف وأني لا أزال أحتاج إلى أعوام وأعوام كي أكون قادرا على مثل هذا الاعتراف... ترى ماذا سأجيب...!!! "

لم تمهلني فرصة كي أتردد أكثر من اللازم، أمسكتني من ياقة قميصي و شدت قبضتها على القميص.. أحسست أنها ستدلق بي إلى البحر.. ثم صرخت و بكل عنفوان الآلهة..

-  إذا لم تكن تحبني فأنا.. وألقمتني قبلة من شفتيها أعادة معها الكهرباء إلى جسدي بعد انقطاع لحظي.. كانت تبدوا مثل عصفورة تعطي صغيرها جرعة من الطعام..فلا يهدأ ويسكن ويقتنع، لا بل تزيد حركته و جوعه فلا يخجل ويطالب بالمزيد...

مارس 2003م