|
طفولة موت
تنسحب العتمة إلى خيمة المجهول القادم مع طلة برتقالة السماء
المستديرة، تفرد نفوذها على زوايا المكان وتتسلل إلى القلوب والعقول؛
الشمس تحمل رائحة الحياة، وفوضى الأمل، تزيل خطايا الليل،
تذيب الصقيع الذي تراكم على قلوب البشر وتعيد شيئاً من الحيوية إلى
سكون المكان الذي كان يعج بفوضى الغبار وضجيج البلدوزرات وقرقعة
الدبابات ليلا، يعيد الصباحٌ الروح الممزقة إلى بقايا المنازل التي
أكلت معالمها الصواريخ..
كنت
أنظر إلى المكان حيث
الصبية الأربعة يركضون خلف بعضهم
ويلعبون،
أراقب
المكان
بكثير من الحذر وأتلصص تفاصيله محاولا أن أتأكد من وقع الفاجعة،
فالصورة التي أراها ليست هي التي تعودت عليها في الصباحات السابقة،
تاهت ملامحها وتفاصيلها واختفت كل معالم الجمال الفوضوي فيها.
الأطفال الأربعة يركضون خلف بعضهم بشيء من الحذر والخوف والتوجس فوق
أكوام الحجارة
المبعثرة في المكان والمتراكمة فوق
بعضها ...
كتب مدرسية ممزقة، عربة طفل صغير تقف صامتة في وسط الركام وأسلاك
حديدية لم يلفت نظري لها سو صوت رنينها الذي يصعد في المكان كلما
لامسها أحد الصبية، كانت الأسلاك تقف عارية وشاهدة على حادث الأمس،
وعلى أعلى قمة للأسلاك علقت راية بيضاء اختلطت بها بعض الدماء التي لا
أعلم من أين مصدرها.
على بعد ليس بالقليل من المكان ينتصب برج المراقبة – الأعمى- يفرد
جبروته وظلمه على المكان المدمر، هذا البرج هو الذي يجعلني متوجساً
في حركتي على الشرفة،
حريصا لأي حركة أصدرها؛
كي
لا تثير شك الجالس في مخبئه المتربص بالإنسان والحياة.
اتخذت القرار بسرعة:" لن اذهب اليوم إلى الجامعة". وجهزت أغراض الرسم
الخاصة بي، لوحة بيضاء.. ألوان... فرشاتي الخاصة ريشة الرسم التي
أهداني إياها صديقي..
الاستاند الخاص بي.. وفيما أنا أرتب أدواتي بالطريق التي اعتدت عليها..
سمعت صوت الأطفال في الأسفل يعلو أكثر من المعتاد...
أربعة أطفال يركضون خلف بعضهم وفي اتجاهات متقاطعة ومتداخلة ازدادت
حركتهم بحث يبدون للوهلة الأولى أنهم متفاجئيين بشيء ما، ثم تتبين أنهم
ربما يبحثون عن شيء ما أو أنهم يركضون خلف شيء ما..
وسط هذا الركام راقبتهم بإمعان ولكن بحرص كما تعلمون، بصراحة لم أقدر
على فهم سبب هذا الركض المتسارع ولا مغزاه... استمر الأطفال في هذا
الحركة لمدة قصير حيث اخترق جدار الصمت دوي الرصاص،
منطلقا من برج المراقبة عابرا عشوائية المكان..
اختفى الأطفال في لمح البصر، واختبأت أنا خلف الجدار كي لا يصيبني
الرصاص....
وبالسرعة
التي انطلق فيها الرصاص هدأ
فجأة، فعدت أنا ولكن بحرص أكثر كي أتابع ما كان يجري، لا أحد في المكان
وكأن الذين كانوا هنا لم يكونوا في لحظة ما..
عدت من جديد أرتب وضعية أدواتي وبدأت أنظر في المكان بنظرة الفنان
المحترف، وفيما أنا على ذلك.. عاد صوت الأطفال الأربعة
بحركتهم
فأعادوا
إلى المكان
شيئا
حيويته وروحه الهاربة، بخطواتهم الطفولية يدوسون الحجارة ويتسلقون
الجداران المهدمة ويلهثون ويصرخون...
فجأة توقف الجميع عن الحركة لعدة لحظات
كأنهم
حصلوا على مرادهم، دققت النظر...
كان ثلاثة منهم يقفون في دائرة والرابع في الوسط.. يمسك في يده شيئا
ما..
تابعت النظر وفي لحظة هدوء واحدة انطلقت بعدها زخات الرصاص
من جديد
ليفترق الصبية
الأربعة،
سمعت أحد الأطفال يسأل:" هل أمسكته".
فأجاب الذي في الوسط أو هكذا خيل لي :" انه ميت ".
عرفت حينها أنهم كانوا يتكلمون عن طائر
دوري
صغير.
|