|
فرنسيس
المرّاش نموذجا
نُشرَت في مجلّة "المعرفة" السورية، العدد (458)
تشرين الثاني (نوفمبر) 2001، وستصدر، مع دراسات أخرى، في كتاب بعنوان:
"معراج النصّ،
دراسات في السرد الروائي"
قلّما يعثر المتتبّع للدراسات المعنية بحركة التنوير العربية، التي
شهدتها السنوات الممتدّة ما بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن
العشرين، على إشارات للدور الذي نهض به الجنس الروائي العربي، في بواكيره
الأولى، في هذه الحركة، بل في الإرهاص بها على نحوٍ أدقّ، وسابقٍ، بآن، على
المنجَز الفكري للمنوّرين العرب.
ولئن كان هذا المسكوت
عنه في تلك الدراسات يعكس، بشكل ما، طبائع أو جزءاً من طبائع الوعي النقدي
العربي المحكوم، في أكثره الأعمّ، بنأيه عن ~الدراسات البينية}(L’interdisciplinaire)، أي بتضييقه الممارسة النقدية في
الحقل المعرفي الذي تشتغل به وفي مجاله هذه الممارسة، وبعدم انفتاح الأخيرة
على مجمل، أو معظم، الإنجازات التي تنتسب إلى ذلك الحقل، أو التي تمتّ بصلة
إليه، فإنّه، في الوقت نفسه، يعكس، بشكل ما أيضاً، تغليب أكثر الباحثين
العرب، في قراءة أو استقراء مرحلة تاريخية / فكرية / جمالية، لما هو فكريّ
على ما هو إبداعي، حتى ليبدو لمتتبّع تلك الدراسات أنّ ثمّة نظرة استعلائية
تضع الإبداع على الهامش تماماً من حقول المعرفة الإنسانية، وحتى لتبدو هذه
النظرة نفسها محاكاةً لذلك الموقف الظلامي الذي كان يعدّ الفنّ الروائي، في
بدايات نشأته في الأدب العربي الحديث، فنّ السوقة والعامة من الشعب(1).
ومهما يكن صحيحاً أنّ
الرواية العربية ~ولدت داخل عمومية تنويرية}(2)، فإنّ الأكثر صحّة، وعلى النحو
الذي يقدّمه تاريخ حركة التنوير العربية نفسها وتاريخ الفنّ الروائي العربيّ
بآن، هو أنّ الأولى نشأت في أحضان هذا الفنّ، وانبثقت منه، وتكوّنت في رحمه،
وترعرعت في ظلاله، وأنّ الروائيين العرب الروّاد، أمثال: ناصيف اليازجي، وعلي
مبارك، ورفاعة الطهطاوي، وفرح أنطون، وفرنسيس المراش، وميخائيل الصقال، وأحمد
فارس الشدياق، سبقوا مفكّّري التنوير، أمثال عبد الرحمن الكواكبي، وأحمد
أمين، وعلي عبد الرازق، وقاسم أمين، في تعبيرهم عن تلك الحركة، أو في التمهيد
لها على نحو أدقّ. ويؤكّد ذلك صدور الأعمال الروائية التي يمكن الاصطلاح
عليها باسم ~روايات التنوير العربي} قبل صدور أعمال المنوّرين العرب
الفكرية، كما يؤكّده أنّ معظم هؤلاء المنوّرين كان يمارس الكتابة الروائية،
وأنّ، معظمهم أيضاً، قد توسّل بهذا الفنّ، أي: الرواية، للتعبير عن أفكاره
التنويرية.
ومن أمثلة ذلك: رواية
رفاعة رافع الطهطاوي: ~تخليص الإبريز إلى تلخيص باريز}
1834، ورواية أحمد فارس الشدياق: "لساق
على الساق في ما هو الفارياق" 1852، وروايتا فرنسيس المراش: "غابة
الحقّ" 1865 و"درّ الصدَف في غرائب الصُّدف"
1872، وروايتا فرح أنطون: "الدين والعلم
والمال" 1903، و"الوحش الوحش الوحش أو سياحة في
أرز لبنان" 1903.
تطمح هذه الدراسة إلى
التعريف بالدور الذي نهضت به بواكير الجنس الروائي العربي في حركة التنوير
العربية، وإلى استجلاء الإرهاصات الأولى لهذه الحركة كما تتجلّى في أعمال
الروائيين العرب الرواد. ممثِلَةً لذلك برواية ~غابة الحقّ}(3)، التي تعكس ذروة ما
وصلت إليه تلك الحركة من استلهام لأفكار عصر التنوير الفرنسي ولمبادئ الثورة
الفرنسية، ثمّ جزءاً، أو كلاً، من طبائع الحراك السياسي الذي شهدته الدولة
العثمانية في عهدي السلطانيْن: عبد المجيد بن محمود الثاني (4)، وعبد العزيز خان
(5)، والتي تؤكّد، أخيراً،
أنّ المنوّرين السوريين كانوا من الروّاد في عملية صياغة الأيديولوجية
التنويرية العربية.
فرنسيس المرّاش، تعريف موجز:
ولِدَ فرنسيس فتح الله
مرّاش(6) في حلب، سنة
1836، لأسرة عريقة في الثقافة، فجدّه
لأبيه ~بطرس} كان من أبرز رجالات اللغة والأدب في عصره، وأبوه ~فتح الله} كان يُعنى بالمطالعة واقتناء الكتب، وأخوه ~عبد الله} كان له باعه الطويل في التاريخ والفلسفة وعلم الأديان والأخلاق
والشرائع المختلفة، مع مشاركته في الطبيعيات والرياضيات والهيئة وغيرها،
وأخته ~مريانا} كانت، بالإضافة إلى ممارستها الشعر ومعرفتها بالموسيقى، أوّل سيدة
عربية تكتب مقالات في الصحافة، وأوّل سيّدة تقيم صالوناً أدبياً في حلب.
تلقّى علم الطبّ، في
حلب، على يدي طبيب إنكليزي لسنوات أربع، ثمّ سافر، سنة 1867، إلى فرنسا للحصول على إجازة
تخوّله حقّ ممارسة المهنة، غير أنّ المرض الذي أصابه، في باريس، عوّقه عن
إنجاز ذلك، فعاد إلى حلب التي سرعان ما فقد فيها بصره، فتفرّغ للتأليف حتى
وفاته سنة 1874، عن عمر لا يتجاوز الخامسة
والثلاثين. وقد هيّأت له ولادته في كنف أسرة مولعة بالثقافة، وفي وقتٍ مبكّر
من حياته، التهام ما وجده أمامه من مطوّلات ومختصرات في النحو والصرف،
وغيرهما من العلوم.
وعلى الرغم من أنّه
بدأ حياته الأدبية شاعراً، فإنّه سرعان ما هجر كتابة الشعر، لينكبّ على دراسة
العلوم واللغات، ثمّ على التأليف في مجالات فكرية وإبداعية مختلفة، كان
نتاجها عشرة مؤلّفات:
1861- ~دليل الحرية الإنسانية}، حلب. وهو رسالة تمتدّ على أربع وعشرين صفحة من القطع المتوسط، كتبها
~لانتقاد التعبّد بعادة الملبوسات النسائية}.
1861- ~المرآة الصفية في المبادئ الطبيعية}، حلب. وهو رسالة تمتدّ على ستين صفحة من القطع الصغير، ضمّنها
تلخيصاً لعلوم الطبيعة وتعريفاً بأهمّ فلاسفة هذه العلوم.
1864- ~خطبة في تعزية المكروب وراحة
المتعوب}، حلب. وهو رسالة صغيرة تمتدّ على خمس عشرة صفحة، استعرض فيها تاريخ
عدد من الدول البائدة.
1865- ~غابة الحق}، حلب. وهو رواية تمتدّ
على مئة وثمان وستين صفحة من القطع المتوسط.
1867- ~رحلة باريس}، بيروت. وهو رواية
تمتدّ على اثنتين وسبعين صفحة من القطع الصغير، دوّن فيها مشاهداته لأسواق
وشوارع وأبنية وآثار المدن التي مرّ بها في رحلته التي قام بها في أيلول سنة
1866 إلى باريس للحصول على إجازة تخوّله
ممارسة مهنة الطب.
1870- ~الكنوز الغنية في الرموز الميمونية}، حلب. وهو نصّ شعري قصصي يمتدّ على ثلاث وثلاثين صفحة من القطع
المتوسط.
1870- ~مشهد الأحوال}، بيروت. وهو كتاب يمتدّ
على مئة وست وخمسين صفحة من القطع المتوسط، تناول فيه الأدوار التي يمرّ بها
الكون، والإنسان، والأسرة، والمجتمع، والدول، وقضايا الحرب والسلم، والبغض
والحبّ، والجمال والعمل.
1872- ~مرآة الحسناء}، بيروت. وهو مجموعة من
قصائده الشعرية التي رتّبها حسب القوافي، ويمتد على ثلاثمئة وتسع وأربعين
صفحة من القطع المتوسط.
1872- ~درّ الصَّدَف في غرائب الصُّدَف}، بيروت. وهو رواية تمتدّ على مئة وثمان وعشرين صفحة من القطع الصغير.
وأخيراً:
~شهادة الطبيعة في وجود الله والشريعة}(7)، وهو رسالة في أهمية
الدّين، تمتدّ على ثمانين صفحة.
تفتّح وعي المرّاش، وكتب
معظم نتاجه المشار إليه آنفاً، في ظلّ تيّار إصلاحي عاصف أرغم السلطان
العثماني، عبد المجيد بن محمود الثاني آنذاك، على التوقيع، مُكرَهاً، على
مجموعة مراسيم عُرفت باسم التنظيمات، التي مهّدت، عام 1865، أي في عهد خلفه السلطان
~عبد العزيز خان}، لنهوض ما سمّي، في الأدبيات
العثمانية، بـ~فرقة الأحرار}، وفي الأدبيات العربية، بـ~جمعية العثمانيين الجدد}، التي مثّلت، عبر برنامجها
الإصلاحي: ~تحويل السلطنة من ملكية مطلقة إلى ملكية دستورية، وتطوير البرجوازية
الوطنية، ومحاربة نمط الحياة العثماني القديم}(8)، ذروة ما وصل إليه ذلك
التيّار من محاولات لنقل السلطنة من كونها دولة يحكمها وعي استبدادي تصوغه
وتحدّده علاقات إنتاج زراعية إلى كونها دولة ذات ~تنظيمات} مدنية تجدّد الإمبراطورية،
وتمكّّنها من استيعاب روح العصر، وتوقف تدهورها، وتعزّز وحدتها واستقلالها،
وتدرأ عنها خطر الاستعباد الأجنبي(9).
ولئن كان من الطبيعي أن
تصطدم تلك المحاولات بمعوّقات جمّة، أخضعت نمط الإنتاج، آنذاك، لقبضة
العلاقات الكومبرادورية(10)، فقد كان من الطبيعي أيضاً أن
تصطدم محاولات التنوير بمعوّقات مماثلة، شملت حقولاً اجتماعية ومعرفية عدّة،
وكان من أبرزها اتهام المرّاش نفسه بـ: ~الكفر}، و~التجديف}، و~العصيان}.
وعلى الرغم من أنّ هذا
الاتّهام كان قد تجاوز، في أوقات مختلفة، حدود الردّ على المرّاش في مجلّة
~الجنان} التي كان ينشر فيها مقالاته التنويرية إلى التظاهر ضدّه، ومن ثمّ إلى
التهديد بقتله، فإنّه لم يثنه عن متابعة مهمّة التنوير التي ارتضاها لنفسه،
وعلى نحوٍ دالّ على جرأة وشجاعة نادرتين تذكّّران ~بأسلافه العظام منوّري
القرن الثامن عشر الفرنسيين}(11).
lلأفكار التنويرية في رواية "غابة الحقّ":
تبدو رواية المرّاش
~غابة الحقّ} نموذجاً مبكّراً، ومكتملاً،
للأطروحة النقدية التي ترى أنّ الرواية العربية ~كانت..، في نشأتها، تجسيداً
لعقلانية الاستنارة التي انبنى عليها مشروع النهضة في محاولته تأصيل الوعي
المدني}(12). فهي، بالإضافة إلى كونها نصّاً
إبداعياً يوفّر لنفسه شروط الفنّ الروائي بمعناه التقليدي، هي، بآن، نصّ
تنويري يزخر بالكثير من الأفكار التي تطمح إلى تحرير الواقع، في المرحلة التي
صدرت خلالها، من أغلال الجهل والتخلّف والاستبداد، لكي تطلقه في فضاء
التقدّم، والتمدّن، والعدالة. أي في المرحلة التي شهدت مجموعة من التحوّلات،
الكبرى نسبياً، في منظومة الوعي السياسي لدى سلاطين بني عثمان في النصف
الثاني من القرن التاسع عشر، ولا سيّما لدى بعض ولاة حلب، أمثال
~جودة باشا} الذي صدرت الرواية في عهده، والذي
عبّر عن تلك التحوّلات بإحداثه مجموعة من الإصلاحات في المدينة آنذاك، كان من
أهمّها ~حماية الصناعة والعدل في الناس}(13).
والرواية، كما فعل محمّد
المويلحي فيما بعد في روايته ~حديث عيسى بن هشام}
1905، تتقنّع بتقنية الحلم لتقديم هذه
الأفكار التي يصوغها في الأغلب الأعمّ من الرواية ~حديث سياسي اجتماعي
يتأمّل مبادئ الثورة الفرنسية، أو يسائل ذاتَه عقلٌ قلق عن أسباب ارتقاء
الممالك وانهدامها، وعن الإنسان الواجب بناؤه من أجل مجتمع جديد يهزم آثار
التخلّف}(14) والاستعباد من جهة، ويحقّق لهذا
الإنسان نفسه إنسانيته من جهة ثانية.
ومهما يكن صحيحاً أنّ ما
يتردّد في هذه الرواية من موضوعات يصعب ~تناولها بمبادرة قصصية عابرة، كما
يصعب القول فيها بلمحة رؤيا شاعرية}(15)، فإنّ ذلك لم يكن يعيب
الرواية، كما لا يعيبها الآن، بسبب صدورها في مرحلة تاريخية / جمالية كان
الفنّ الروائي خلالها واحداً من وسائل المنوّرين العرب، آنذاك، لقول ما لديهم
من رؤى وأفكار على نحو غير مباشر من ناحية، وعلى نحوٍ يجنّبهم الارتطام
بالسلطات السياسية من ناحية أخرى.
ويمكن التمييز، في هذا
المجال، بين حاملين اثنين للتعبير عن تلك الأفكار التنويرية: مركزي يتجلّى في
حديث فيلسوف مملكة التمدّن والتهذيب / مملكة الحرية إلى وزير محبّة السلام،
أي في الفصل الخامس من الرواية الموسوم بـ~التمدّن}، ثمّ في حديثه إلى قوّاد الشرّ /
جمهور المردة الذين أُحضِروا من مملكة العبودية ليمثلوا أمام ملك الحرية،
قائد المملكة الأولى، وزوجته ~ملكة الحكمة}، بعد أن تمّ أسرهم على
يدي ~قائد جيش التمدّن}، وآخر ثانوي يتجلّّى فيما يتناثر
في الروايـة من أحاديث لهذا الفيلسوف نفسه أحياناً، ولسواه من الشخصيات التي
تنتمي إلى ~مملكة التمدّن} أحياناً ثانية.
يصدّر الفيلسوف، أو
الروائي المقنّع بشخصية الأوّل على نحوٍ أدقّ، حديثه عن ~التمدّن} بتعريفه هذا الأخير بأنّه ~ناموس يرشد الإنسان إلى تجويد
أحواله الطبيعية والأدبية}(71)، ويرى أنّ هذا الناموس يقوم على
دعائم خمس: تهذيب السياسة، وتثقيف العقل، وتحسين العادات والأخلاق، وإصلاح
المدينة، والمحبّة.
كما يرى في معرض حديثه
عن الدعامة الأولى، ~تهذيب السياسة}، أنّ توطيد الحقّ هو
الأساس الذي تتهذب به السياسة، وأنّ استمرار ذلك الأساس لا يتمّ إلا تحت
أحوال أربعة: أوّلاً حالة الشخص الذي يتعاطى السياسة، والذي يجب أن تتوافر
فيه شروط تسعة: ~أن يكون رجلاً من أصل كريم وموسر..
مروّضاً بالعلوم الرياضية والأدبية ومثقّفاً بمعرفة واجبات الشرائع
والقوانين.. فَطِناً نبيهاً.. عادلاً.. قنوعاً.. ذا أناة.. ألا يكون
سكّيراً.. شجاعاً.. غير ممازح}(72-73).
وثانياً: حالة الاستواء،
التي تعني لديه أن تكون شرائع الدولة وقوانينها ~متساوية على كلّ أبنائها بدون أدنى
امتياز بين الأشخاص أو تفريق بين الأحوال. فلا يجب الأخذ بيد الكبير ودفع
الصغير، ولا الالتفات إلى الغنيّ والإعراض عن الفقير، ولا مؤازرة القويّ
ومواراة الضعيف، بل يجب معاملة الجميع على حدّ سواء}(74).
فحالة المطابقة التي عنى
بها ~أن تكون السياسة مطابقةً، بقوانينها وشرائعها، لما يقتضيه واقع الحال
بدون زيادة ولا نقصان}(76)، معلّلاً ذلك بقوله: إنّه
~لمّا كانت حوادث الهيئة الاجتماعية تختلف جَرَمَاً وموقعاً كان لكلّ
منها شأنٌ يستوجب حكماً يلائمه ويطابقه ولكلّ حكم قوانين تناسبه وتشاكله}(76)، وبقوله: ~وبما أنّ الأحكام والقوانين تعتبر
كأجزاء تؤلّف جسم الشريعة في عالم السياسة وجبَ أن يكون كلّ من هذه الأجزاء
ثابتاً على نقطة وضعه}(77).
ورابعاً: حالة الصالح
العام، الذي يفترض، في رأي الفيلسوف، دوام النظر إليه وتواصل السهر عليه،
والذي لا يستريح، في رأيه أيضاً، إلا على خمسة أركان: ~تمهيد سبل العلوم،
وتسهيل طرائق التجارة، وتقوية وسائط الصنائع والأشغال، ومساعدة الزراعة
والفلاحة، وقطع أسباب التعدّي}(78). وقد رأى الفيلسوف، في هذا
المجال، أنّ الركن الأول لا يتمّ إلا بالمساعدة على ~تشييد المدارس وتسهيل
الدخول فيها.. وترقية الناجحين بالدراسة على قدر الاستحقاق}(78)، أمّا الركن الثاني، فيتوقّف على أربعة أسس، هي:
~تقريب أبعاد الأسفار بواسطة إصلاح الطرقات.. إزالة مخاوف ومعاثر
الطريق.. وضع حدود ونظامات تجري على كلّ أرباب.. الحرفة بحيث لا يمكن أحدٌ
تجاوزها.. منع كلّ الصعوبات التي يمكنها صدم تقدّم التجارة}(78). ويتأسس الركن الثالث على ~إثارة ذوي الاختراعات بتعظيم
جوائزهم ورفع شأنهم.. توسيع دوائر الأدوات الصناعية وتضييق مساحة التلف
والمصاريف.. رفع كلّ ما يوقف الخطوات عن الهجوم إلى معاناة الأشغال..
المساعدة في تكثير المعامل وتسهيل مجراها}(79). ورأى أنّ الركن الرابع ينهض على~رفع الجور عن الفلاح وفتح الطريق للزارع...}(79). أمّا الركن الخامس فإنّه
~يستوي على ثلاث قضايا.. حماية المتاع وصيانة الاعتبار ووقاية الأرواح}(79).
ويعتدّ الفيلسوف /
الروائي، لدى حديثه عن الدعامة الثانية، تثقيف العقل، بالقول إنّ الإنسان
~لم يعد قادراً على الدخول في دائرة التمدّن.. إلا إذا كان متزيّناً
بتثقيف العقل}(80)، وأنّ هذا التثقيف ~لا يتمّ.. إلا بالتروّض في العلوم
والفنون ودراسة المعارف الطبيعية والأدبية}(81)، فالعلم ~يخلق في الإنسان قلباً
نقياً وروحاً مستقيمة ويجعله ظافراً بكلّ الصفات الصافية ونافراً عن كلّ ما
يشين الجوهر الإنساني}(81)، و~هو الفاعل الأعظم لتثقيف العقل
والمروّض الأكبر لجماح الطباع والسبب الأهمّ لتشييد التمدّن}(86)، لأنّه ينفي، كما رأى، ثماني نقائص، هي: القسوة، والتشرذم، والغفلة،
والطمع، والضغينة، والكبرياء، والخيانة، والبغض، التي أودت، كلاً أو أجزاء،
كما رأى، بممالك: مصر، وآشور، وفارس، واليونان، والرومان، إلى الهلاك(16).
وفيما يتّصل بالدعامة
الثالثة، أي: تحسين العوايد والأخلاق، رأى أنّه ~كلّما كانت.. العوايد والأخلاق جيدة
كان تمدّن أربابها جيداً وعالياً، وكلّّما كانت قبيحة كان قبيحاً ودنيّاً}(87)، ولذلك ~يجب على الشعب الداخل في دائرة
التمدّن أن يبذل الاعتناء كثيراً في تحسين عاداته وأخلاقه كيلا يكون تمدّنه
من باب الدعوى لا الحقيقة}(87).
وقد فرّق الفيلسوف في
هذا المجال بين ما عدّه عاداتٍ وأخلاقاً خاصة، وأخرى عامة. الخاص يتعلّق بما
هو شخصي، أي بما يعني الفرد، وقد قسمه إلى قسمين: عادات وأخلاق طبيعية تُدعى
~ملكات} وأخرى أدبية تُسمّى ~عادات}.
ورأى أنّ من العادات
التي تنفي صفة التمدّن عن الفرد: السكر، والنهم، والفجور، والكذب، والنميمة،
والغضب، والجبن(17). ودعا إلى وجوب
~استئصال} هذه العادات من الناس وتربيتهم على أضدادها.
أمّا العادات والأخلاق
العامة التي تعني المجتمع، والتي رأى أنّها من مقوّمات انهيار التمدّن
الاجتماعي، فقد حدّدها في عشر:
شحن البيوت بالأثاث
العقيم وخلوّ هذه البيوت من ~كتاب أو مياومة (أو) أدنى آلة للعلم}(93)، ثمّ ولع أدعياء التمدّن بأن تشعشع رؤوس نسائهم بأنوار الأحجار
الكريمة وليس ~في تلك الرؤوس أدنى شعاع للعقل والآداب}(92)، فإنفاق ~المبالغ الوافرة على
تجهيز المآدب .. والولائم الحافلة.. و(هم) لا يدفعون فلساً واحداً لعمل الخير}(92)، والتسابق إلى البيوت في الأيام الرسمية ~ولا يوجّه أحدٌ منهم
خطوةً واحدة إلى فعل الجميل}(93).
وليسوا متمدّنين أولئك
~الذين تثور في أعراسهم صياحات زغاريد النساء وصراخات تجويقات الرجال}(93)، ~ولا ينخرط في سلك المتمدّنين كلّ أولئك الذين متى دخلت المنيّة إلى
بيت أحدهم نهضت ضوضاء الولاول وطارت صراخاتها الذريعة إلى قبّة السماء}
(93)، و~لا يُدعون متمدنين.. الذين يجعلون
الحزن شريعة}(94)، ~وهيهات أن يُحسبوا متمدّنين.. أولئك الذين يشترعون إذلال النساء
وتحقيرهن وإهانتهن وربّما ضربهنّ}(95).
و~لا يُحسَب متمدّناً ذلك
الرجل الذي يزعم أن الإفراط في معاشرة النساء ومخالطتهن من واجبات التمدّن}(95)، ~ولا تحلو سيماء التمدّن على أولئك الذين عندما يتكلّمون أو يتخاصمون
يفغرون أفواههم ويرفعون أصواتهم إلى درجة تمزيق أوتار حناجرهم، حتى يكادوا
يشاركون الجمل بجعجعته والثور بعجعجته والحمار بنهيقه، مع أنّ غاية التمدّن
هي نزع كلّ سمة بهيمية عن الإنسان}(96)، ~ولا تحسن ثياب التمدّن على كلّ
أولئك الذين ينزّلون الخرافاتِ منزلةَ الحقائق}(96).
ويمهّد الفيلسوف لحديثه
عن الدعامة الرابعة، صحّة المدينة، بقوله: ~إنّ أوّل شيء يُستدّل به على تمدّن
أمّة ما أو توحشها هو النظر إلى حالة مدينتها، فكلّما كانت المدينة صحيحة كان
التمدّن صحيحاً وكلّّما كانت سقيمة كان سقيماً} (97). ورأى أنّ ~الصحّة المدنية.. تقوم
تحت جملة أحوال وأخصّها ثلاث}(98): النظافة، إذ ~لا مناص للمتمدّنين من
بذل مزيد الاعتناء والاجتهاد بتنظيف أسواقهم ومنازلهم}(98)، فـتمهيد الشوارع والأزقّة،
فترميم الأبنية بفحصها ~كلّ مدّة لاستعلام حالة متانتها
وثباتها فراراً من حدوث الأخطار}(101).
وعلى نحوٍ مطابق لمنهج
الفيلسوف في حديثه عن كلّ من الدعامات الأربع السابقة، يصدّر حديثه عن
الدعامة الخامسة، المحبّة، بقوله: ~لا يخطئ مَن يسمّي المحبّة إلهة
الهيئة الاجتماعية}(105)، لينتهي إلى القول إنّ
~التمدّن لا يستغني عن هذه الدعامة.. ولا يمكن ثباته بدونها}(107)، وإنّه لا بدّ ~من وجوب حدّ للمحبّة لا تتجاوزه
لئلا تجانس ضدّها بعمل الرديّ}(107)، أي ~استعمال المحبّة.. على قدر الواجب
وحسب الظروف التي تدعو إليها بدون زيادة أو نقصان }(113)، وبمعنى أنّ على
~كلّ إنسان.. اعتناق المحبّة عامة وخاصة وتحريكها حسب الاقتضاء بدون
تسليم ذاته لجميع قواها}(113).
ولا تتحدّد الأفكار
التنويرية التي تزخر بها الرواية بالفصل المشار إليه آنفاً، بل تتجاوزه إلى
أحاديث الفيلسوف نفسه إلى قوّاد الشرّ السبعة من مملكة العبودية: قائد
الجهل، وقائد الكبرياء، وقائد الحسد والطمع، وقائد البخل، وقائد الضغينة،
وقائد النميمة، وقائد الكذب والنفاق، بعد مواجهتهم بنقائضهم من مملكة الحرية:
العلم، والاتضاع، والرضا والقناعة، والكرم، والصفح، والكتمان، والصدق والحقّ.
والفيلسوف يفتتح حديثه
إلى أولئك القادة بالقول لملكهم، ملك العبودية، إنّ ~الطبيعة البشرية.. خُلقت
في كمال الحرية الأدبية وأنّ خالقها ذاته عزّ وجلّ قد منحها هذه السيماء
الجليلة}(123)، وإنّ الإنسان ~إذا دخل.. إلى مخدع ضميره إنّما يرى
ذاته نافراً كلّ النفار عن ارتباطه بعبودية غيره}(124).
ولعلّ من أهمّ الأفكار
التنويرية التي تتردّد في حديثه لقائد الجهل قوله: إنّ الجهل
~من أخبث الأرواح الشريرة التي تفسد في الأرض وتعضّد يد العبودية
وتخرّب أبنية العلم.. والأصلُ الأول الذي منه قد نشأت فروع البدع والخرافات}(142)، وإنّ ~العلم.. حيثما نزل أنزلَ المجد
والعظمة والكرامة}(142)، وإنّ ~الإنسان المدّعي
بالمعارف على غير أصل إنّما يُنشئ أضراراً جمّة}(143).
ويخاطب قائد الكبرياء
متسائلاً: ~فهل دخلت يا أيّها الروح الشرير في أحدٍ إلا وتركته خابطاً في لّجّة
البلبال والتعب وجعلته مرذولاً ومبغوضاً}(145).
ويقدّم في صدر حديثه إلى
قائد الحسد والطمع أمثلة لما أنتجه الحسد عبر التاريخ: قايين، وامرأة لوط،
وهاجر، ويعقوب، ويوسف، ويوليوس، ثم أمثلة من الواقع (الوزير، والشريف،
والغني، والعالم، والشاعر) الذين أودى الحسد بهم إلى رمي الآخرين بصفات ليست
منهم. ولعلّ من أكثر الأفكار التنويرية أهمّية في هذا المجال قوله إنّ الشاعر
الحاسد يبذل جهداً في تحصيل زلاّّت غيره من الشعراء ~حتى إذا عثر على شيء من
ذلك أخذ بوق الانتقاد.. وربّما أفضى به الحال إلى أن يطرح.. كلّ مؤلّف
أو قصيدة ممّّن سواه}(150). ~وبقدر ما يرى من سموّ أفكار غيره
وجمالها يكون إشعاره بثوران.. هيجان بركان انتقاده. وهكذا فقد لا يعود لفمه
إمكان أن يلفظ سوى الشتائم..}(150). ويختتم حديثه لقائد الحسد
بالقول: ~إنّ هذه السيماء لا تسديك سوى التقلّّب على النار الدائمة في الدارين}(150)، وإنّ الحسد ~إذا تمكّن من الأنفس وثّقها بجندل
العبودية.. لسلطان الانفعالات}(151).
وفي حديثه إلى قائد
البخل يرى أنّه ~لا يوجد ما يستحقّ نهوض العالم ضدّه
نظير البخل}(152).
ويخاطب قائد الضغينة
قائلاً: ~متى أوقعت أمّاراتك في أحد أعدمته الراحة والسكون وجعلته كالوحش
الحائم على ما يفترسه، فلا ينام إلا على فراش الغضب ولا يستيقظ إلا بأعين
الانتقام ولا يُروى إلا بكرع الدماء، ولا يجد في نفسه حركة حرّة لأنّه يقضي
الليل والنهار مملوكاً من خلقه ومأسوراً لحبّ انتقامه}(157).
ويشبّه النميمة، موجّهاً
كلامه إلى قائدها، بأنّها ~جيفة نتنة أو جرب معدٍ}(158)، ومؤكّداً أنّ دأب النميمة هتك حرمة الأسرار، وأنّه ما مِن إنسان
خالٍ من العيوب أو النقائص، "ولو أمكن وجود إنسان خالٍ من النقيصة لحقّ له أن
ينتقد نقائص غيره"(159).
وأخيراً يصف قائد الكذب
والنفاق بأنّه هادم "لمباني الآداب الإنسانية ومفسد لصلاح الغريزية ومستعبد
لحرية الفطرة"(160).
والأفكار التنويرية
المتناثرة بين تضاعيف الرواية لا تقلّ أهمّية عن تلك التي يبثّها الروائي في
فصل خاص من الرواية، هو الفصل الذي أطلق عليه اسم ~التمدّن}، وإذا كان من أهمّ ما يميّز الأفكار المتضمَّنة في هذا الفصل هو
صدورها عن شخصية واحدة، هي شخصية الفيلسوف، فإنّ ما يميّز مثيلها ممّا يتردّد
في جنبات الرواية هو صدورها عن الفيلسوف نفسه أحياناً، وعن سواه من الشخصيات
الأخرى التي تنتمي إلى مملكة التمدّن أحياناً ثانية.
ولعلّ من أهمّ هذه
الأفكار دعوةَ ملكة الحكمة ملكَ الحرّية، وكلَّ مَن هو في موقع السلطة كما
يبدو، إلى أن يأخذ أعداءه ~بالإناءة والحلم والتدقيق}(10)، ثمّ قولَ وزير محبّة السلام لملكه عن الدور الذي يؤدّيه الأمن،
السلامةُ كما يسمّيه، في حياة الإنسان والمجتمع والدولة، إذ بالسلامة
~تنمو الهيئة الاجتماعية وتتوسّع دائرة تقدّمها بالثروة والمعارف
والآداب. بالسلامة تخصب العقول وتعطي الأرض غلاتها وتجود الفلاحة ويكثر
الحصاد. بالسلامة تعمر البلاد والقرى وتتّسع التجارة}(19).
ويرى الفيلسوف / الروائي
أن لا حرية بالمعنى المطلق ~فقد يمكن للإنسان أن يحصل على شبه
الحرية}(32)، كما يرى أنّ حصول الإنسان على لذّة الحياة لا يقوم
~إلا إذا طرح ثقل العالم عن ظهره وارتضى بما قُسم له من الله لقيام
وجوده خالعاً كل إمارة تجعله عبداً}
(34)، فـ~الاستعباد مكروه عقلاً وطبعاً}(41). ويؤكّد استحالة ~قيام البدن بدون الروح}(48)، مستدلاً على ذلك بخطابه إلى ملك الحرّية قائلاً له:
~طالما اجتهدت ملوك قبلكم بدثارها (يقصد: الروح) وإسقاطها ولم ينجح لهم
اجتهاد}(48). ويرى، في تضاعيف حديثه إلى ملكة الحكمة عن السياسة والمملكة،
~أنّ السياسة أو الرياسة إذا وقعت في غير محلّّها تطلّب من الشعب
إنقاذها}(59)، وأنّ خمرة حبّ الرئاسة ~متى خامرت العقل منعت بأبخرتها..
نفوذ أشعّة الصواب فيه}(59)، وأنّه ~متى بطلت المحبّة زال
التمدّن لأنّها الأساس الأوّل له، ومتى زال التمدّن تمزّقت أحشاء الوطن وخفقت
سناجق العبودية}(69) في سمائه.
تركيب:
يتّسم الفكر التنويري في
رواية ~غابة الحقّ} بتكامليته، وعلى الرغم من أنّ
المرّاش لا يضيف، في هذه الرواية وفي هذا المجال، جديداً إلى أفكار المنوّرين
الفرنسيين، فإنّه لا يبقي على تلك الأفكار كما هي في مصادرها، بل
~يعثمنها}، و~يعرّبها}، و~يحلبنها} بآن. بمعنى أنّه يضعها في سياقها السيادي الخاصّ بالدولة، والقومية،
والمدينة التي ينتمي إليها.
وعلى الرغم، أيضاً،
من أنّ تلك السمة التكاملية التي تطبع رؤيته لتطوير مجتمعه تعني أنّه ينظر
إلى التمدّن بوصفه كلّية حضارية يفقد أي معنى له بسقوط جزء منه، فإنّ ثمّة
أفكاراً بعينها تأخذ موقعاً خاصاً بها من رؤيته التنويرية تلك. من أهمّها،
كما أرى، ثلاث: العدل، والعلم، وتوافر المتضادات.
فالعدل، أو الاستواء
بتعبيره، لا ~يثبّت الحكم ويوطده}(72)، وليس ~أعظم المقوّمات لصحّة
السياسة}(74) فحسب، بل يحفظ، أيضاً، للمواطنين، مهما تفاوتت الطبقات الاجتماعية
التي ينتمون إليها والآراء السياسية التي يصدرون عنها، حقّهم في التعبير
وإبداء الرأي(18). ولئن كان ثمّة صفات
تسع قد اشترطها المرّاش للحاكم أو للرجل الذي يتعاطى السياسة في هذا المجال،
فإنّ ثمّة صفتين تمثّلان لديه اختزالاً للصفات التسع تلك، وتعبّران عمّا
يمكّن هذا الحاكم أو السياسي من تثبيت دعائم العدل: تجنّب
~الاحتشاء والارتشاء} اللتين ~متى باشرتا قلب الحاكم
أراغتاه عن الحقّ ورفعتا بينه وبين الصالح العام حجاباً كثيفاً}(73)، والقضاء على الفساد في حينه، لأنّه ~إذا أخذ سعته في محلّ ما ومكّن
ذاته.. فلا يعود إصلاحه إلا ضرباً من العبث}(115).
أمّا العلم، فبالإضافة
إلى كونه ~الفاعل الأعظم لتثقيف العقل والمروّض الأكبر لجماح الطباع والسبب
الأهمّ لتشييد التمدّن}(86)، فهو، في الوقت نفسه، الحدّ
القاطع بين التمدّن والتخلّف. وهو ما يمكن تبيّنه في قول الفيلسوف:
~بذاك (العلم) قد تلألأ محيّا الغرب وبهذا (الجهل) قد أظلم جبين المشرق}(143)، ثمّ في حكاية ياقوت لقصة أسره وعبوديته وفراره إلى الاستانة لتلقّي
العلم حين يقول: ~إنّ الجهل الفاشي في هذا الجنس
(يقصد: العربي) أوجب انحطاط شأنه لدى هذه القبائل (يقصد: الغربيين) ولو كان
عنده مدارسُ نظيرهم ومساعدون على تقديم العلم.. لما أصبح أضحوكة عندهم بل
ربّما يكون أرقى من جميع العالم لشدّة حذقه الطبيعي وحزمه}(138). ولعلّ ممّا يعزّز قرينة إلحاح المرّاش على قيمة العلم وأهمّيته
دعوتَه غير المباشرة إلى الحفاظ على منجزات الأقدمين وآثارهم، وتأكيده أنّ
الخراب الذي لحق بما يسمّيه ~برّية سورية}: صور، والقدس،
وأنطاكية، وتدمر، ومنبج، ودير سمعان.. إنّما كان ~نتيجة الجهل والتوحش}(86).
وتتجلّّى أهمّية
المتضادات في أفكار المرّاش التنويرية، أو ما يمكن الاصطلاح عليه باسم
~الواقعية} في الجهاز المفاهيمي لمعنى التنوير
عند المرّاش، من خلال إلحاحه الدائم على ضرورة وجود نقائض لدعائم التمدّن من
جهة، ولقوّاد الشرّ من جهة ثانية. فبالإضافة إلى تأكيده أهمّية العلم وضرورته
يرى أنّه لا بدّ للمجتمع من أن يشوبه بعض الجهل، إذ يقول لقائد هذا الأخير:
~لا بدّ من بعض دخلٍ لك في غوطته} (143)، بمعنى أنّ على العلم والجهل أن يكونا ~مترافقين في خدمة مملكة التمدّن
ولكن بشرط أن يكون الثاني مردوداً إلى الأول}(144).
وكما يلحّ على رفض
الكبرياء يلحّ في الوقت نفسه على أنّه ~لا ينبغي الرفض المطلق لقائد
الكبرياء من مملكة التمدّن حذراً من حصول الدناءة التي لا تليق بالبشر. بل
يجب تركه مقيّداً بحكم الاتضاع حتى يستوفي كلّ منهما حقّّه حسبما يقتضي الحال}(147).
وكما يدعو إلى التخلّي
عن عادة البخل يدعو، بآن، إلى أن يكون لقائده ~ظِفْر} في مملكة التمدّن ليكون هذا
الظفر ~مانعاً لهجوم التبذير}(157).
ومن المهمّ الإشارة هنا
إلى ما يمكن عدّه رؤية مبكّرة لدى المرّاش، وسابقة بآن على أطروحة
~أنطون سعادة}، مهندس النسق المعرفي للفكرة
السورية القومية الاجتماعية. أعني: ربطه العضوي بين ما هو مادي وما هو روحي،
أو ما سمّاه ~سعادة} نفسه: ~المدرحية}، إذ ما إنْ أعلمَ ملكُ الحرية
فيلسوفَ مملكته بعزمه على شنّ حرب على مملكة قريبة من مملكته تسمّى
~مملكة الروح}، معللاً ذلك بأسباب ثلاثة: لأنّها
~لا تفترّ من بثّ التصوّرات الباطلة في عقول الناس}(45)، ولأنّه ~لم يكفها التسلّط المطلق على الأنفس
والأجساد حتى جعلت تمدّ سلاسل سطوتها إلى أعماق القلوب}(45)، ولأنّ أعوانها لا يكلّون
~من الجولان في كافّة المسكونة لأجل زرع الشقاق والفتن}(46)، حتى تصدّى الفيلسوف لثنيه عن ذلك، مسوّغاً رأيه بالقول إنّ تلك
المملكة ~ما علّمت قطّ ولن تعلّم إلا بما يقود الناس إلى نوال السعادة الحقيقية}(46)، وبأنّه ~لو لم يرتفع قوس نصرها في ساحة
العالَم وتخفق رايتها على كافّة الأقطار لكان النوع البشري يقع في هاوية
الفساد}(46)، وبأنّه ~من المستحيل قيام البدن بدون الروح}(48). وحين اقتنع الملك بكلام الفيلسوف، ولاسيّما بعد قول الأخير:
~طالما اجتهدت ملوك قبلكم بدثارها... ولم ينجح لهم اجتهاد}(48)، عزم ~على تقديم الإعانة والإغاثة بدل المضاربة والمحاربة}(49)، قائلاً لملكة الحكمة، على نحو دالّ على تعديله لرأيه،
~ما يساعده الروح لا يغلبه الجسد}(49)، فأردفت الملكة معزّزة تلك
النتيجة بقولها: ~السياسة العلوية منتصرة دائماً على
السفلية، وما يكون هابطاً من الأعالي يسطو مطلقاً على ما ينهض من الأسافل}(49).
وإذا كان ما يسم حركة
التنوير العربية، بعامّة، هو ابتعاد أعلامها عن التعصّب الديني، أو لئن كانت
~المحاكمات الفلسفية والآراء الاجتماعية والسياسية التي نادى بها
المنوّرون المسيحيون (خاصّة).. مجرّدةً من الصبغة الدينية}(19)، فإنّ المرّاش يؤكّد في
هذه الرواية تلك السمة المميّزة لحركة التنوير العربية من جهة، ولمنجَز
المنوّرين المسيحيين في هذا المجال من جهة ثانية. ولا يتجلّّى ذلك من خلال
دعوته إلى ما يسمّيه على لسان ياقوت: ~محبّة وطنية منزّهة عن أغراض الدين}(138) فحسب، بل من خلال ملئه، أيضاً، هذه الرواية بتضمينات قرآنية دالّة
على تضافر عمليتي التنوير والتنوّر لديه. ومن أمثلة ذلك وصفه لملكة الحكمة
بقوله: ~وبينما كان.. الوزير يتكلّم كانت
الملكة.. متعكّسةً على ساعد العرش.. ومزهرة راحتها بوردة خدّها الأزهر، وعلى
مباسمها تقرأ الحلاوة آية الكوثر(20)}(21)، وحديثه على لسان الفيلسوف عن تطوّر الإنسان من حالة الرعي إلى حالة
الاستقرار، أي في قول هذا الإنسان نفسه لأبنائه: ~فاشربوا هنياً وكلوا مرياً في جنّات
تجري من تحتها الأنهار حيث لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون}(57)، ثمّ في وصف قادة مملكة العبودية
بقوله: ~إنّ أولئك القوم.. محتالون منافقون.. يقولون ما لا يفعلون وفي كلّ
وادٍ يهيمون}(69). وأخيراً في حكاية ياقوت التي
يقول في أجزاء منها: ~ففتحتُ الباب وطلبتُ الفرار
وأبقيتهم في طغيانهم يعمهون}(136)، ~ولمّا تمكّن من ذهني خاطر الدخول
إلى المدرسة بناءً على أنّ كلاً يعمل على شاكلته}(138).
في البناء
الروائي:
تمتدّ رواية / كتاب
المرّاش ~غابة الحقّ} على مقدّمة وثمانية فصول يحمل كلٌ
منها عنواناً: (الحلم – الهواجس – مملكة الروح – السياسة والمملكة – التمدّن – قوّاد الشرّ – المحاكمة – اليقظة)، ويتكوّن بعض هذه الفصول من أجزاء عدّة، ~التمدّن} الذي يمتدّ على خمس دعامات: (تهذيب السياسة، تهذيب العقل، تحسين
العوايد والأخلاق، صحّة المدينة، المحبّة)، و~المحاكمة} الذي يتكوّن من تسعة
أجزاء: (العبودية، الجهل، الكبرياء، الحسد والطمع، البخل، الضغينة، النميمة،
الكذب والنفاق).
وغير خافٍ أنّ هذا
التجزيء للمحكي الروائي ينبئ عن ذهنية رياضية / تنظيمية تتّسق وذهنية التنوير
التي يحيل إليها هذا المحكي في الرواية، لكنّه، في الوقت نفسه، لا يحرّر
الأخيرة من تقاليد الجنس الروائي التي طبعت مجمل أعمال الروائيين العرب
الروّاد، إذ تهيمن على طرائق صوغ هذا المحكي أسلوبية سردية واحدة، هي أسلوبية
السرد المباشر، أو السرد الإخباري الخالص، الذي يقدّم الأحداث من خلال زاوية
نظر الراوي الذي يخبر بهذه الأحداث، ويعطيها تأويلاً معيّناً يفرضه على
القارئ، ويدعوه إلى الاعتقاد به(21)، والذي يُبقي الموادّ
ما قبل اللفظية للمحكي على حالها، أي من غير أن يُحدث فيها أي تغييرات على
المستوى البنائي، تثميناً من الروائي، كما يبدو، لمقاصد الخطاب أكثر من
تثمينه للخطاب نفسه، أو للوسائل التي يبلّغ بوساطتها هذا المحتوى، وعلى نحوٍ
يحقّق تعريف ~هـ. ج. ويلز} للنصّ الروائي، أي بوصفه نصّاً
~وسيطاً للفهم، وأداة لاختبار النفس، واستعراضاً للأخلاق وتحويل أساليب
السلوك، ومصنعاً للعادات، ونقداً للقوانين والمؤسسات، وللعقائد والأفكار
الاجتماعية}(22).
وعلى الرغم من أنّ
المرّاش يسمّي نصّه كتاباً، كتاب غابة الحقّ، فإنّ هذا النصّ يفصح عن انتمائه
إلى الجنس الروائي منذ مقدّمته التي تجهر بفعالية التخييل بوصفها الفعالية
المركزية التي ينهض بها وعليها هذا النصّ. أعني فعالية الحلم بمستوييه، حلم
اليقظة في المقدّمة، والحلم بمعناه المتواتر في الفصول الثمانية، والذي
يتجاوز هذا المعنى ليبدو أشبه ما يكون بـ~الرؤيا} التي تنطلق من الوعي بالواقع إلى
الوعي بالممكن، حسب تمييز ~لوسيان غولدمان}، الذي عرّف الأول بأنّه
مجموع التصوّرات الراسخة والثابتة التي تملكها جماعة بشرية ما عن حياتها
ونشاطها الاجتماعي، والثاني بأنّه ما يجسّد الطموحات القصوى التي تهدف هذه
الجماعة إليها(23).
وعامّة، فإنّ الرواية
تنهض على ما يُصطلح عليه باسم ~الحكاية داخل الحكاية}، إذ تتناسل في الحكاية الأصل، حكاية الحلم / الرؤيا، حكايات فرعية،
تتّصل بأكثرَ من نسب مع تلك الحكاية الأصل، ولا تبدو نافلة فيها أو خارجة على
سياقها، كحكايتي قائد جيش التمدّن عن مواجهة هذا الجيش للملك الظالم، وحكاية
العبد ياقوت داخل حكاية وزير محبّة السلام عن مملكة العبودية، ثمّ حكاية أخيه
مرجان داخل حكاية ياقوت نفسها.
ولئن كانت هذه التقنية،
الحكاية داخل الحكاية، تنتج ما يصطلح علم السرد عليه بـ: ~المفارقات السردية}، التي تتجلّى، هنا، عبر مظهر سردي محدّد، هو ~الاسترجاع}، فإنّ حكايتي ياقوت ومرجان خاصة
تنتجان نوعاً مميّزاً من تلك المفارقات، هو ~الاسترجاع الخارجي}، أي ما تظلّ سعته كلّها خارج سعة الحكاية الأصل، أو ما كان حقله
الزمني غير متضمَّن في الحقل الزمني لهذه الحكاية، والذي يتجاوز، في هذه
الرواية، وظيفته الإخبارية إلى أداء وظيفة تفسيرية تعلي من شأن مهمّة التنوير
المميِّزة للنصّ، لإلحاحهما، أي الحكايتان، على العامل الأكثر بروزاً في
أسباب تأخّر الشرق وتقدّم الغرب.
واللغة في الرواية هي
لغة الأدب في العصر الذي كتبت فيه، أي اللغة الإحيائية التي أرادت استعادة
الأساليب الأدبية العربية القديمة، ولا سيّما أسلوب السجع، كما في وصف
الروائي لملكة الحكمة: ~وكأنّ وجنتيها صفحتا لجين قد اندفع
إليهما نور الشفق، وكأنّ خدّها ومباسمها كشقيق أخذ يتفتّح إذا ما الصبح
انفلق، وكأنّ جيدها صُنِع من بلّور لطيف، يعلو على صدر يحمل كرتي مرمرٍ
نظيف}(8-9).
ولعلّ هذه السمة
الإحيائية المميّزة للغة الرواية هي ما يعلّل تدافع الكثير من المفردات
المعجمية بين موقع وآخر من السرد، ومن أمثلة ذلك: الآجار، والفاتول، واخرنطم،
وقنابر، و… ولعلّها، أيضاً، ما يعلّل امتلاء حركة السرد بالتشبيهات والمحسّنات
البديعية، وإلى حد يمكن القول معه إنّه ما مِن وحدة سردية / حدثية في الرواية
إلا وتتّسم بهذه السمة، التي غالباً ما يحكمها نسق جمالي واحد، هو تداخل
الماديّ بالمعنويّ والمشخّص بالمجرّد، كما في المقبوس التالي الذي يصف فيه
الروائي غابة الحقّ / مملكة التمدّن: ~هاهنا يجلس التمدّن على عرش الكمال
فتتخزّق أمامه بيارق الخشونة ويمزّق التوحّش ثوبه. هنا تخطب بلابل السكون على
منابر شجر السلامة فيصمت صياح القلق ويخفي الاضطراب صوته. هنا ترنّ صنوج
الأفراح وتضرب طبول البشائر فتخرس صراخات الأكدار ويتلاشى دويّ المصائب. هنا
يشرق صباح الإغضاء ويتلامع شعاع التغاضي فيغور ديجور الضغينة وتنجاب ظلمة
الحقّ}(106-107).
ومن المهمّ الإشارة،
هنا، إلى ما يبديه الروائي من ولع ظاهرٍ بالوصف، ولاسيّما الوصف الخارجي
للشخصيات، الذي يبدو، في الأغلب الأعمّ منه، فعّالية تزينية، أو وصفاً
خالصاً، ينتمي إلى ما يسمّيه ~رولان بارت}: ~الوحدات الإدماجية}(Unités
Intégratives)، أي الوحدات التي لا تمارس دوراً
فيما سيلي من الحكي(24)، كما في الوصف التالي
لملكة الحكمة: ~ذات وجه بيضيّ الشكل يلوح عليه حسن بلغ أعلى درجة من سلّم الجمال،
فأعين تتلامع بأنوار الحوَر على سواد الكحل، وأجفان كأنّها سكرى بخمرة الفتور
أو مأخوذة بسحر الغزل، وحواجب كأنّها صوّرت بقلم رافايل أو نقشت بإزميل
ميخايل قد جمعت بيت الاقتران والزجج جمعَ جبينها بين السعة والبلج}(8).
وعلى عادة بواكير النتاج
الروائي العربي، وعلى نحو يذكّر بالمدوّنات العربية الأدبية القديمة التي لا
تُسلم قيادها لجنس أدبي خالص، تلوّن الرواية متنها بالسرد، والشعر،
والإخباريات، وتوفّر مادة غنية للحديث عن تفاعل نصّي داخل هذا المتن، يتّسم،
في مجمل تجلّياته، بكونه تفاعلاً نصّياً خارجياً، بسبب استدعاء الروائي أو
استلهامه لنصوص أدبية تنتمي إلى عصور بعيدة عن عصره. ويمكن التمييز في هذا
المجال بين شكلين لذلك الاستدعاء أو الاستلهام: النصّ القرآني على النحو الذي
أشرت إليه في موضع سابق من هذه الدراسة، والمنجَز الشعري العربي القديم، كما
في ~قلبي الذي كنتُ أضغطه بيديّ خوفاً لئلا يطير شعاعاً}(9)، وكما في قول ياقوت في حكاية فراره: ~وأخذت الأباطح تسيل بأعناق المطايا}(132). وتجدر الإشارة، هنا، إلى تعدّد القرائن الدالّة على ثقافة الروائي
الواسعة واطّلاعه على تاريخ الأمم والملوك، وأساطير اليونان والرومان، والتي
تنتمي إلى حقل ~التناصّ} نفسه الذي تنتمي إليه المتفاعلات النصّية القرآنية والشعرية. كما
تجدر الإشارة، أيضاً، إلى ملء الروائي نصّه بإشارات كثيرة إلى معارفه الطبية،
كما في قول ملكة الحكمة معلّلةً عدم موافقتها على إرادة ملك الحرية في شنق
الملك الظالم وسجن أحفاده وعبيده: ~إيّاك أن تفعل هكذا..
لئلا نكون كالطبيب الذي يُسرع إلى سفك الدم حالاً في الحميّات الخبيثة بدون
ملاحظة المزاج والبنية}(11).
وثمّة، أخيراً، ما يمكن
عدّه طغياناً لخطاب الأقوال على خطاب الأفعال في الرواية، ثمّ ارتهان الأوّل
إلى إرادة الروائي وليس إلى إرادات الشخصيات التي يصدر عنها، ومسوّغ ذلك
ارتهان المحكي برمّته إلى نمط ~المؤلّف الضمني}(L’auteur Implicite) / الذات الثانية
للروائي، الذي يختار موقف المشارك في سرد حوادث الرواية، من غير أن يسرد هذه
الحوادث بنفسه، بل ينيب عنه راوياً آخر، بمعنى أنّه يحلّ في إحدى الشخصيات،
الفيلسوف هنا، الذي يمارس نفوذاً مطلقاً على مجمل فعّاليات صوغ المحكي
الروائي.
هوامش وإحالات:
|