|
مئة عام من العزلة
ببساطة تخيل أنكَ تجلس في حجرةٍ مستقلةٍ لوحدكَ تحيطكَ عواصفٌ من
الغبارِ لكنها عواصفٌ هادئة، بتاتاً ليس لك اتصالاً بالعالم الخارجي،
لكنكَ في ذاتِ الوقتِ مؤسس الحضارة فيه، وأنتَ كذالكَ ألاعب الأساسي في
تكوين البلاد من حولك وخلق صورتها الحاضرة... دوائرٌ متتاليةٌ من
التغييرِ تمتد على مدي 533 صفحة، فردٌ واحدٌ يبني ويؤسس، أجيالٌ تعبر
بعد أجيال، لا اتصال لها ببعضها سوا عبر امتداد الزمن وتبدل الأحوال،
حضارات تنمو وتندثر، أمال تسطع وتخبوا فيما بعد، ومستقبل محفوظ في رقاع
من الورق...
حبٌ يعصرُ القلوب وينهي كل سلطةٍ ويلغيها، حبٌ مفعمٌ بالعطاء يصهر
الأجساد والأحداث والأمكنة والأزمنة في بعضها البعض، ويغير عادات الناس
وسلوك حياتهم، والعزلة هي السمة الأساسية التي تنسحب بظل وافر على مطلق
الأشياء والأحداث، ستعيش حقا -بينما أنت في حجرتكَ الغبارية وعزلتكَ
تلك– بين دفتي كتاب واحد مئة عام من العزلة .
ملحمة من الأحداث تزخر بها روايتنا، تعج بالفوضى والنضوج في آن واحد،
يتعبكَ تكرر الأسماء دائما، لكنك تكتشف أن مهما تكررت الأسماء والأشخاص
فمستحيل أن تتكرر الأحداث والأفعال والتجارب، إنها الحياة التي نحن
فيها، إنها التاريخ الذي لا نعرف إلى أين يذهب بنا..!!. تلخصه في
صفحاتها، بسيطة إلى أبعد الحدود ومفعمةٌ بالحكمة والفلسفة والرؤية،
صافيةٌ وهادئةٌ لكنها مثل حجرتكَ –المفترضة- ملأى بالغبارِ والشقاء.
أتخيل " غبرييل غارسيا ماركيز " بأنه " خوسيه أركاديو بوينديا" أول
أبطال هذه الملحة مؤسسة الحضارة في قرية "ماكوندا" هناك فيما وراء
المحيط خلف الأدغال في عزلته المطلقة، يبنى حلمه ويشيد حضارته كأنه أول
الخلق، يبحث عن الله لأن أول حاجات البشر هي وجود اله...
أه.. لقد أتعبتني حقاً واستنزفت جهدي بكثفاتها، واجتاحتني بالوهم
والخيال، خروجٌ عن العادات.. ورحيلٌ، وبناءُ بلادٍ فيما وراء البلاد..
بحثٌ عن الذات.. تواصلٌ في العزلة.. اثنان وثلاثون عاماً من الحرب
الضروس التي لا تهدأ، ضد كل ما هو محافظ.. وتتبدل الأجيال.. وما تزال
الرقاع الورقية الخاصة بالغجري" ملكادس" كما هي، تستعصي على كل من
يحاول فك رموزها، وتأخذ بمعرفتها عقول الأبناء واحد تلو الأخر... فريقُ
إعدام.. ونجاة من الموت عشرات المرات، وتأخذ الأحداث طريقا أخر.. غرباء
ينزلون في البلاد وتبدأ غابات الموز في أمريكا الشمالية.. ويتختلط
التجارة بالحب.. بالزراعة .. بالمال وبالجنس و الحفلات الماجنة، وأضف
عليها القمع والظلم وسلب حقوق العمال وصولا إلى القتل والخداع الحكومي،
وانتهاء بأمطار تستمر ما يقارب الخمس سنوات تذكر بمرض الأرق الذي اجتاح
القرية في بدايتها.. وهنا ينتهي كل شيء الا الحب الذي يطفو على السطح
من جديد.. يهجر القرية كل من نزل فيها من الغرباء إلا أهلها الأصليين
والذين كان الموت قد أصاب سلالتهم فما فيهم عائلة "بوينديا" ولم يبقى
منهم إلا أخر فر و الذي كان بمقدوره أن يكشف أسرار الرقاع الورقية
ويقرأ تاريخ العائلة " أول السلالة مربوط إلى شجرة والأخير منها يلتهمه
النمل " .
هكذا كانت الأحداث متدفقة كاسحة متألقة وحاسمة يشوبها القلق ويعتريها
الشحوب أحيانا متداخلة في كل شيء ولاشيء في آن واحد .. حالمة و متفائلة
لكنها في النهاية تجلس تحت شجرة من الأركاديا وتستظل بالعزلة و الغربة
و الحنين...
حقا إنها الحياة في مئة عام من العزلة ....
|