|
كائن عصفوري
الصيف يحرق خضرة الكلمات وتمتد حرارته لتشعل رمال الروح، فتلهب شواطئ
الذكرى عيون مريم بدموع الفراق، تذوب ثلوج العالم من شدة الحر ولا تكفي
لتخفف النار التي اتقدت في جوانحها، المرأة كائن عصفوري ترهقه الشمس
فيبحث عن قطرة حبٍ في صحراء الرجل.
خلعت حذائها وألقت حقيبتها جانبا وتركت زبد البحر يلهو بأطراف أصابعها،
أطلقت ذراعيها للذكري وسلمت وجع قلبها كي يلهيه الموج الذي أنهكته
الصخور، يلامس الماء المالح قدميها فتلسعها ذكري مراد في أول لقاء لهما
على باب قاعة الحقوق التي ضمت بين جدرانها براءة الحب ويناع الحلم،
وشهدت على ميلاد العمر الهارب من بنادق الموت إلى دفاتر الحزن
والكتمان،" صباح الخير" ارتجت أجزائها وتلعثمت في الرد وشهق
قلبها.. احمرت تفاحتا وجهها الناضج" صباح ال.. النور "، وكان
النور الذي أضاء عتمة الدنيا بحب صار مثال لكل العاشقين، تتجمع الصدف
لتلتقي به في أول يوم لها،أذهلها بوسامته قبل أن يخطف قلبها بكلامه
وطريقته الساحرة في الحديث ويأسر روحها برقه روحه وخفة ظله، ظلت عمرا
أسيرة هذه اللحظة، تسترجع الذاكرة فتنمو الأمنيات على جدار القلب وتترك
في الروح نسيمها الأبدي لتعيد تشكيل الطفولة وأحلامها من جديد، مريم
مرآة صافية تعكس ما فيها وما حولها ببراءة الملائكة، ساقتها أقدامها
لتلتقي به من جديد وساقتها الصدف ليكون فتى أحلامها وخططت الأقدار لهما
تلك الحياة.
يضربها موج البحر ويلفت نظرها صراخ الأطفال يركضون ويلعبون فتعود إلى
الماء والبحر والدنيا، الناس على البحر كأنه يوم الحشر، تختلط الدموع
هنا بالعرق وملح البحر يلغي كل تفاصيل الاختلاف بين الماء والماء، يخفف
الماء من حرارة الأجساد ومريم تزداد اشتعالا واحتراقا ولوعة وشوق،
تضربها أشعة الشمس بسيط من الوجع الأبدي، وتدخل في مسارات ذاكرتها
رائحة البارود مختلطة بروائح البحر، تتداخل الأشياء والأسماء والصور
وتتماهي التفاصيل في مخيلتها فتدخل في دوار تأخذها إليه دورة الماء
وتقلب الموج، تسحبها دوامة البحر إلى قاع أفكارها، تغرق في لحم
الذكريات، واستحالة الهروب من الماضي تشدها الى البكاء، فتظهر صورته
مشرقة مكان الشمس، الصورة الوحيدة التي بقيت محافظة على تفاصيلها،
واضحة المعالم ثابتة لا تتغير تعلو وجهه ابتسامة دائمة تعج بالحزن
والتعاسة كأنها البسمة الأخيرة، يضع يده على كتفها.. يأخذها من بين
زميلاتها، الآتي يتغامزن ويضحكن، سر الحب لا بد أن يفضح فتحفظه القلوب
وتغار منه متمنية أن يكون لها سر مثل في يوم من الأيام.
البحر هو المفر الأخير لها، قبل لحظات كانت تقلب بيديها الناعمتين
قنوات الدش وتنتقل من محطة إلى أخرى، باقي دقيقتين على نشرة الأخير "
أه ما أطول الوقت وما أقصر العمر"، تمتد الدقائق قبل نشرة
الأخبار لتعبر بها ذاكرة العمر ومشاهد اليوم والأيام الماضية " لو
أن هناك خبرا عاجلا يقطع خيوط الانتظار وينقلني إلى المعرفة"...
أخيرا يبدأ المذيع بعرض الأخبار وتضربها لعنة القدر وتتمرد الدنيا على
حلمها/ حبها الوحيد فتنزعه من بين ضلوعها لتسكنه في قوافل الشهداء"،
أجلتْ دمعتها لحظات وألقت بها في مياه البحر " ماذا تفيد الدنيا بعد
رحيلكَ عني"، مريم تغرق في فكرة الرحيل، البنادق خطفت منها طفلها
وحلمها الذي تربت على اللقاء به هنا تحت سطوة الشمس وجبروت الوقت،
هروبا من ألسنة الملسنين يحفران في صخر الواقع المر ملجأ للحب ويبنيان
لحلمهما بلادا من الورد والبنفسج، مريم الكائن العصفور الذي عثر على
قطرة الماء في صحراء مراد وحده ولا غيره تلقي بذراعيها للريح تغمض
عينيها وتصرخ في وجه البحر أمرة " خذي إلى هناك حيث أخذت البنادق
مراد"، يحفر الموت بينها وبينه بحرا من الحزن، بالأمس كانت تقف
على عتبة قلبها تنتظر مراد كي يأخذها إلى جنة الدنيا "البحر" واليوم
تطرده الدنيا إلى دنيا أخرى، فتأمر هي البحر كي يأخذها إليه...
نظرت حولها كان صراخ الأطفال يصعد خافتا ومواجها لجبروت البحر وعظمته،
استلت صورة مراد من صدرها ونظرت إليها، راقبت حركة الناس على البحر،
دققت في مركب الحارسة الإسرائيلي " الطرّاد"، أعادت النظر إلى الصورة
والى الأطفال يلعبون برمال البحر ويبنون منها قصورا لا يكاد يهدمها
الموج، تراجعت عن قرار الانتحار وتذكرت كلام مراد " العصافير يا
مريم تحب أن تعيش حرة ولو في صحراء ".
|