مشابهات متناقضة

                                                                    يطرحها شاب في العشرين من عجزه

       تكادُ ترغب هذه الورقة في البقاءِ فارغةً كفراغِ الوقتِ في مساحاتِ السجون ، إنها المرة الأولى التي أحس فيها بالعجزِ عن الكتابةِ إلى هذا الحد، فكأن القضبان التي تأسر خلفها إخواننا وأبنائنا في سجون الاحتلال انتقلت و اعتقلت أفكاري خلفها ..ليس هناك أيَّ حمامةِ وقتٍ تحمل إليَّ بشارةَ فكرةٍ هاربةٍ من غبارِ المعركة، كما لا توجد حمامةَ صدفةٍ تحملُ لهم برقيةً بالحرية في لجة الفوضى .

تكاد تكون الأمور متشابهة تماما، غير أنني هنا أضعت فكرتي وهم هناك سرقت منهم حريتهم أقصد حياتهم ... لعل الحكاية تبدأ من هنا/ عجزي عن الكتابة في الأسرى و المحررين شبيه إلى حدٍ كبير بعدم قدرتهم على الإنعتاق من سلاسل الأسر التي تقيدهم .

أنا مثلاً... مساحة حريتي هي مساحة ورقة A4 فقط "ضيقة جداً " ، ليس كما تعتقدون/ هم في الأسر مساحة حريتهم هي أحلامهم في ليل يملؤه القلق و الانتظار و الحنين إلى الذكرى " كبيرة جداً " ليس هذا بالاعتقاد الصحيح، إضافة إلى أنها مؤلمة و قاسية جداً ... لكن الأمل الذي يقنعني بأنني سوف أملأ هذه الورقة بالحبر عما قليل ،هو نفسه أو ربما أقوى منه يدب في صدورهم و يصبّرهم و يخبرهم أنهم ملاقو حريتهم يوما ما ، و يخبرهم أن آفاق الحياة ستنفتح لهم ليرسلوا في عيون الشمس ابتساماتهم حين تحط حمائم الفرح على شفاههم و عندما يـ .. س.. / هنا وقفة عن الكتابة ..!!! الأمر بسيط مجرد جندي إسرائيلي أحس بالملل فأرسل قذيفة دبابة أيقظت الليل- الليل فقط- من سباته العميق، كان الجندي يرغب بالتسلي لا غير .. مثل هذه الأمور أصبحت جزأً لا يتجزأمن حياتنا ... غداً سنشيع الشهداء .

نعود إلى موضوعنا/ إلى أين وصنا في الكلام ..؟؟! حتى الآن نصف الورقة التي بين يديَّ قد امتلأ، يبقي النصف الآخر أنها مشكلة كبيرة ..!! بدأ الملل يستشري في أصابعي ، كأن حاجزاً منيعاً يقف بيني و بين و رقتي/ حياتي بمعنى آخر ... أنا لا أستطيع أن أصبر خمسة دقائق أخرى لإكمال هذا النص-تعبئة الفراغ بالكلام- بسيطة ... و لكن كيف سيصبر المعتقلون أعواماً على هذا الفراغ الذي يملأ حياتهم.. كان الله في عونهم ... و أقول أن حالتنا متشابهة ، أيقنت الآن أنني كذابٌ كبير .. كانت مجرد محاولة نرجسية فاشلة لتعزية نفسي/ أحاول كثيرا إقناع نفسي بأنني –أقصد بأننا – نقوم بدور وطني كبير جداً ... بصراحة و قياساً بما وصلت إليه أنا من مرحلة عجز عن الكتابة، عرفت أنني عاجزٌ عن أداء أي دور ،و غير قادر على إعطاء أي شيء مقابل ما يدفعه ألائكَ الأعزاء الأحبة خلف القضبان .. ماذا نعطي نحن مقابل ما أعطوه و ما سيعطونه، إنهم الضحية الدائمة و المستمرة ... هم العنوان الذي تتشح به قضيتنا و الملح الذي يحفظ أجسانا من التعفن إنهم وسيلة اليوم للوصول إلى الغد و إنهم الوجه المشر ..ق .. و إ  ..نـ.... هنا وقفة أخرى عن الكتابة ليس للسبب السابق لكن الساعة هي الثانية عشر منتصف الليل / أبي يحتاجني الآن ..سأعطيه جرعة الدواء المطلوبة .... و أما الورقة فقد امتلأت الآن ..أنا ألقاكم في مكان آخر ..

ســــلام

الرحمة للشهداء و الحرية للأسرى و الشفاء للجرحي ..

و الفاتحة  علينا

رأى خاص يعبر عن مجموع