|
جدل
البوح/ النص / الاعتراف
عندما يتهرب اللسان من مأزق الاعتراف، يكون النص آخر فرصة للبوح، وبهذا
يرتكز قلبٌ مهشم المرايا على آخر شرفة للنور، ويرتل مزموره الوحيد/
أقصد نصه الأخير في صراعه لخلق حقيقته الواهية، ليس الأمر بالسهولة
المتوقعة فالاعتراف أبعد وأعمق مراحل الاتصال، أي أنه نقطة تلاقي خيوط
وتقاطع تفاصيل عديدة تكونها أحداث سابقة واعتقادات لا يُرسخ وجودها
سواه؛ لهذا يتدخل الحرف لينجد الروح من احتراقها الساكن أو الصامت.
فمتى يعرف الإنسان مصيره ينجذب إليه بقوى الطبيعة الكامنة في سر
التكوين، إلا أن القاعدة لإثباتها تحتاج إلى شواذ، ينطبق الأمر تماما
على مفهوم التضحية والتماهي مع الغير، أي أن الانشطار الجسدي الذي يمنع
اندماج الروحين المتجانستين يقف عائقا في وجه الانجذاب إلى المصير في
حالة الشذوذ عن القاعدة، والتي أعتبر نفسي واقعا في لعنتها، ليس
لانطباق مفهوم الشذوذ علي ولكن لعامل الخوف من كسر زجاج الروح.
فعندما تلوك الروح مسارات متشعبة وتسرح الأخيلة في فضاءات الوجد، ينتهي
الأمر بالمرء إلى الشك في الذات، والهروب من الفضاء إلى الذات ومن
الذات إلى الفضاء، ليبقى ثابتا في نقطة وهمية واهية، وهذا يتعلق أصلا
بقانون الطرد والجذب المركزي الذي ينطبق على الطرف الأخر في عملية
الاتصال، فيكون النص هو أيضا وسيلة البوح الأفضل والأجدر مع اختلاف
رؤية ومنطقة الأشياء لدى الطرفين، وقد تتدخل عوامل أخرى بالنقص أو
الزيادة في غمرة الصراع للاعتراف، مما يخلق اختلافا في ظاهر التجربة
رغم التشابه الغير ملموس في واقعها...
ليست هذه بالمعادلة الفيزيائية لكنها فلسفة حياة متناقضة تحاول أن تجمع
في تفاصيلها بين شيئين متشابهين في اندماجهما الروحاني.
لكن الهاجس الذي يقلقني هو دائما ما يقع حيث ينقطع حبل الاتصال
الروحاني قبل الولوج في مراحل الحسم، نظرا لتخاذلي في الاعتراف اللفظي،
رغم الاعتراف الفعلي والانفعالي، فتعود الدائرة لتغلق أبوابها من جديد
على أسرار ظلت تصارع في فراغ الاحتمال والرجاء.
اعترف أن البوح العفوي لا يقتضي الالتزام، لكن الخطيئة هي ارتباط هذا
البوح ووصوله بسهولة ويسر إلى مناطق وطبقات شفافة وحساسة في الروح
المخاطَبة، مما يعني بالضرورة تعلق هذه الروح بمضمون البوح، فيصبح مثل
النار التي لا تجذب الفراشة إليها كي تزيدها نورا لكن كي تحرقها؛
وبناءا على هذا يصبح الالتزام جزءا لا يتجزأ من كلية البوح، كي لا تصاب
الروح بشرخ عميق وأبدي ينهكها أو يحرقها في ذاتها التي هي في الحقيقة
ليست ذاتها الحقيقية بل الوهمية وبالتالي احتراقها في وهم مطلق.
هنا تلعب المرايا التي يرتكز عليها القلب دورا كبيرا في تشكيل مشهد
مطلوب، أي أن ما نراه ونحسه ليس هو واقع الأشياء بقدر ما هو انطباق
وهمي مع ما نريده ونرجوه، بهذا نخلق الفارق ونوسعه بين الشيء ذاته
وفهمنا له، فيكون فهمنا لما نري مختلف عن واقعه ولا أقول حقيقته لعدم
وجود شيء يمتلك صفات الحقيقة بإدراكنا القاصر للأشياء، وبهذا فإنا نعمل
جاهدين على خيلنة الأشياء وفق ما نريد ونطمح بغض النظر عن حقائقها التي
هي في أغلب الأحيان ليست حقائقها بل ما يظهر لنا منها على السطح.
وبهذا أصل إلى أن البوح الذاتي المبني على رؤية ذاتية ليس صادقا دائما
بمطلق انطباقه على الطرف الآخر في عملية الاتصال، لكنه صحيح بنسبته إلى
الذات القائمة على عملية البوح الذاتي.
طرفا المعادلة هنا يخضعان للقوانين سابقة الذكر والوسيط والذي هو البوح
بذاته يلعب دورا في وهمية الاعتقاد لدى الطرفين، لذا أرى أن النص
والذي هو مجال للبوح سيكون مصدرا لخلق حقائق جديدة والكشف عن حقائق
استترت خلف جدار من عدم الاعتراف.
7-9-2003م
|