|
حملا على الأكتاف
الرجل الذي خرج صباحاً من بيتهِ ولم يعد إليه إلا محمولاً على الأكتاف،
فقدَ أربعةً من أبناءه قبل رحيله بستة أشهر، وشُلتْ زوجتُه عند سماعها
خبره، ورُملت ابنته الوحيدة بعد هذا اليوم بشهرين؛ حيث قُتل زوجُها
وابنتها ذات الربيعين ونجت هى من الموت بأعجوبة.
***
في نفس اليوم حيث خرج الرجل الذي قضى عشرين عاماً في الأسر، تمنى لو
أنه بقي هناك يأكل عمرَه الحنينُ إلى الأهل، وألا يخرج ليرى كل هذه
الفضائع؛ يدخل الأسر وقريته محتلة، ثم يخرج بعد عشرين عاما والوضع أسوء
مما كان عليه، يخرج كي يجد كل هذه الحزن وهذه التعاسة.
دخل الرجل الذي قضى في الأسر عشرين عاما إلى قريته ولا أحدٌ منها ولا
حتى من أهله يعرف أنه سيخرج اليوم، لكن الجميع عرفوا شيئاً أخراً قبل
معرفتهم بخروجه....
استدل بذاكرته الباقية على طريق بيتهم الذي لم يزل كما هو"البيت"،
محاولاً تقريب صورة الماضي البعيد، إلى واقع الدبابات المنتشرة على
مداخل القرية وفي شوارعها، ومفجوعا بصورة المستوطنات التي قضمت نصف
أراضي القرية وما يزيد.... لم يهتم كثيرا بهذا الأمر لأن همه الأكبر
الآن هو الوصول الى بيته..
***
أعاد أهل القرية الرجل الذي خرج صباحا، محمولا على أكتافهم بعد أن جرفت
البلدوزرات ما تبقى من أرضه ضامةً إياها إلى الأراضي المصادرة لصالح
المستوطنات.. لم تستوعب المرأة - زوجته- هذا الحدث فسقطت على ركبتيها
ولم تستطع بعد ذلك الوقوف عليهما أبدا..
***
الطفل الذي شاهد عمه مرة واحدة حين ذهب لزيارته في الأسر، هو نفسه الذي
عاش خمسة عشر عاما بعد ذلك، كي يروي لنا هذه القصة، ويختار لنفسه هو
وأحد أعز أصدقائه -وسط حفنة من المستعمرين - المصير الذي لقاه ابوه
وثلاثة من أعمامه قبل تاريخ اليوم بستة أشهر، ركض بعد لحظات من رأيته
للمشهد الذي لم يُصدق حينها، مخترقا الحشود التي اسطفت لتشيج جثمان
الرجل الذي عاد الى بيته محمولا على الأكتاف – جد الطفل وأبو الرجل
الذي خرج من الأسر بعد عشرين عاما – محاولا الوصول الى المرأة التى
سقطت على ركبتيها – جدته – مقاتلا كي يوصل لها بشرى الافراج عن عمه
الذي قضى في الأسر عشرين عاما والذي سيخرج بعد أسبوعين من المنزل ولا
يعود اليه الا حملا على الأكتاف.
7-6-2003م |