|
عيــادة حكــوميــة
إنها المرة الأولى التي أدخل فيها مثل هذا المكان عيادة حكومية ذات
مبنى أبيض متوسط الحجم، أعداد كبيرة من الداخلين والخارجين، جماعات..
جماعات أو فرداً فرداً.. بالطبع أنا لا أعرف شيء هنا، لا أماكن الدخول
ولا الخروج ولا الاستقبال ولا حتى أماكن الانتظار، وأكيد إنني لا أعرف
سلسلة الإجراءات والخطوات الروتينية التي من الواجب عليّ المرور بها
لقضاء حاجتي، كل ما أعرفه هو ذلك الشيء الذي حفرته جدتي في رأسي حين
قالت لى صباح ذلك اليوم:
-
"أوعا تنسى يا ستي لما تدخل ع الدكتور بتقله انه راسك بيوجعك أو أي
حاجة زي هيك .. ماشي يا ستي ... يرضي عليك "
بالطبع فأنا لست مريضاً وإنما سأذهب بناءاً على طلب جدتي لإحضار بعض
المضادات الحيوية إضافة إلى شريط من الاسبيرين فهي هنا أقل تكلفة من
الصيدليات، وقد أكدت جدتي لي أني مهما قلت لذلك الطبيب الذي تعرفه جيدا
فهو لن يكتب في الكشف الطبي ما يزيد عن المضادات الحيوية والاسبيرين.
ليس هذا بالأمر الصعب ولا بالمستحيل عليَّ، فأنا ماهر جداً في الكذب
والتمثيل... المهم أنني دخلت المبني وسألتْ أول شخص قابلته، عن طريق
الدخول وعما يمكنني أن أفعله من أجل تحقيق هدفي- الذي لا يعلم منه إلا
أنني مريض وأحتاج إلى العلاج - ... حين دخلت من ذلك الباب الزجاجي
المكسور من حافته، كان المكان يعج بالمرضى والجرحى، صغار وكبار، صراخ
يدخل كالسيف على الضجيج المنتشر، فوضي تعم المكان، ضجيج، رجل يدخل
حاملاً طفلاَ صغيراً، وأخرى تخرج حاملةً إبنتها، والكثير الكثير ممن هم
على هذه الشاكلة، فيما رجل يرتدي ثوباً أبيضاُ مائلاً إلى الصفرة، يخرج
كل فترة وفترة من حجرة مغلقة وينادي بعض الأسماء التي تدخل بدورها إلى
الحجرة بعد خروج من فيها. إلى الأمام من الباب الزجاجي وإلى الأعلى مني
كانت إشارة صامتة تعني منع التدخين في هذا المكان، لم أشعر بوجودها إلا
حين جاءت عيني عليها... مطلقاً لا يبدو المكان من الداخل كما بدا من
الخارج، فهو هنا غير مختلف كثيراً عن أي مكان يفرضه علينا طابع
الاحتلال، مركز التموين مثلا أو التجمع بالقرب من أي حاجز، الكل يزاحم
الكل في محاولة للوقوف في بداية الدور.
أبدا لم أصب أنا بأي نوع من أنواع الدهشة أو الصدمة فكل هذا كنت
متوقعاً له؛ ذلك من كثرة ما سمعت عما يجرى في مثل هذه الأماكن الصحية،
وبالصدفة كان أخر ما تناولته الألسنية من هذه الأحداث هي قصة شاب في
العشرين من عمره أجريت له عملية جراحية في قدمه السليمة بدلاً من القدم
المصابة..
جلست على كرسي الانتظار في القاعة المخصصة لذلك، أحمل عبارة جدتي
وأرددها في داخلي، وشيء من القلق الذي تعودت على وجوده معي أينما ذهبت،
إضافة إلى شعور جامح بالحاجة إلى القيء كان سببها تلك الرائحة التي
تجتاح المكان ولا أدري بالضبط من أين كان مصدرها.
حاولت مراراً ومراراً وبكل جهدي إقناع ذاتي أنني في عيادة طبية لكن
غرابة ما شاهدت-رغم توقعي له- كانت أقوى من هذه المحاولات الفاشلة،
وبعد الجلوس لمدة 25 دقيقة حسبتها بالثانية خرج الرجل صاحب الثوب
الأبيض ونادي عليَّ.
جمعت أجزائي المبعثرة على وجوه المرضى والتي كانت ترسم لوحة لواقع
اللجوء ولواقع الاحتلال ومرارة ومأساوية الحالة، ولملمت طاقتي حاملاً
عبارة جدتي، ودخلت حجرة الطبيب مع رجل عجوز نُوديَّ عليه معي .
من أجل تلافي الحرج، واحتراماً لسنه الكبير قدمته على نفسي؛ كي يحاوره
الطبيب. كان الطبيب جالساً خلف مكتبه الخشبي ذي اللون البنيّ، وعلى هذا
المكتب يظهر واضحاً كأس شاي يبدو أنه لم يحرك من مكانه منذ أسبوع على
الأقل، وإلى اليسار منه كانت تبدو واضحة مطفأة السجار الممتلئة، حتى أن
أعقاب السجائر بدأت تتساقط على المكتب، إلى الأمام من كأس الشاي
الفارغة كانت تظهر بوضوح السماعة الطبية التي أعتقد انه ليس في حاجة
لاستعمالها نظراً لبعدها عن متناول يديه، هذا بالإضافة إلي بعض الأوراق
غير المرتبة.
في الحقيقة أنني لم ألحظ جيداً وجه الطبيب المستتر خلف سحابة من
الدخان تبعث في النفس بدورها إحساساً عميقا بالاشمئزاز، على اليسار من
المكتب الخشبي يمتد سرير طبي قديم كالجثة الهامدة مغطي بغطاء، بعد
إمعان النظر فيه وبصعوبة بالغة تعرف أن لونه هو الأبيض، فمن الواضح أنه
لم يغسل مطلقاً، وإلى الخلف من هذا السرير وعلى مقربة من النافذة
الزجاجة المغلقة، والمحمية من الخارج بشباك حديدية، توجد "حنفية "ماء
مهترئة تنز ماءا في وعاءٍ بلاستيكي بحيث يعطي صوت الماء المتساقط
شعوراً غريباً بالراحة إلى حدٍ ما...
ما أعطاني الفرصة لأرى كل هذه الأشياء؛ أنني لم ألتفت إلى الحوار
الدائر بين الطبيب والرجل العجوز الذي دخل معي، وعند الانتهاء من
الحديث بينها، كنت أنا قد أنهيت جولتي في هذه الحجرة الصغيرة
المتواضعة، التفت إليَّ الطبيب، وحينها فقط استطعت أن أشاهد وجهه بشكل
جيد.. كانت سحابة الدخان قد تلاشت إلى حد ما. انه يضع نظارة طبية تعطي
له طابعاً من الرسمية والجدية والإيحاء بارتفاع المكانة والشأن، يتضح
انه يمتلك وجهاً متطاولاً وبشرة تميل إلى السمرة لا تخلو مطلقاً من
لمحة الوسامة والشهامة، يطلق شارباً أسوداً خفيفاً أنيقاً يرسم ملامح
الرجولة على وجهه، فيما شعره الأسود القصير الناعم يزيد لمحة الوسامة
فيبدو أكثر أناقة، كان واضحاً من جلسته على المقعد خلف ذلك المكتب أنه
طويل القامة، و ربما هو أطول مني على افتراض طول قامتي، إلى جانب هذا
بأكمله كان صوته الخافت يعطيك إيحاءاً بالارتياح لكن هذا الصوت بعث فيّ
شعوراً بلامبالاته حين جاء صوته يقول :
-
نعم يا سيد أحمد شو هي أعراض مرضك ؟؟
-
أنا ؟
-
أكيد انت... ولا في حدا غيرك اسمه أحمد
-
أسف يا دكتور... بس راسي.. راسي يا دكتور بتوجعني كثير.. أه
-
تعال ..قرّب عندي ..
كان صوته يعج بالملل من هؤلاء المرضى الذين يمرون عليه صباح مساء،
ويبدو أنه مشغولاً في عملية حسابية ما، أو ربما هو منهكٌ مما يراه من
مآسٍ ومصائب، وأمراض شتى...لم يهمني أمره كثرا..اقتربت كما طلب مني..
-
افتح تمك وقول.. أه.. بصوت عالي
و مد يده ممسكا بقطعة خشبية محاولا وضعها في فمي – اظن أنها ذاتها التي
استخدمها مع الرجل العجوز قبلي – نفرت في البداية وتراجعت إلى الوراء
لكن صوته من خلف المكتب الخشبي جاء واثقاً وثابتاً ومليءً بالرفق
والحنين
- متخافش.. متخافش يا ابني الأمر بسيط وعادي
في تلك اللحظة بالذات أحسست بأمر غريب لم أعرف ما هو أو ما
طبيعته أو من أين دخلي عليَّ و كيف استقر فيّ، وما هي نهايته..؟!وضع
الطبيب القطعة الخشبية في فمي وقال:
-
الحين قول أههههههههه
-
اهههههههههه
فجأة انتفض مذعوراً وطلب مني أن أخلع قميصي وأتمدد على السرير إلى
اليسار. أمسك السماعة الطبية –ربما لأول مرة منذ شهر على الأقل ووضعها
على صدري العاري وأمسكِ قلمه والكشف الطبي الخاص بي.. وبدأ بتسجيل بعض
الملاحظات من خلال الأسئلة التي سألها لي، كأننا كنا في تحقيق... في
تلك اللحظات بدأ الشعور الغريب الذي دخل إليّ يتحول إلى حالة من
الإغماء و الدوران وكل ما أذكره من ذلك الحوار أنه اتقت مذعوراً إلى
الرجل ذي الرداء الأبيض آمراً
-
اطلب الإسعاف فوراً... يحول إلى المستشفي.. حالا...
7/2/2003م
|