|
اختفاء
أم موت
أُعد كلَ
شيءٍ كي يمر اليوم الأول على مايرام وتسير الأمور بلا أي مشاكل أو
فوضى، هذا كله رغم اعتراض الأم" الولد راجع... أنا متأكدة وقلب الأم
عمره مايكذب ".
***
في صباحٍ تسربلت شمسه من بين الصفوح التنكية المهترئة للمخيم، وعانقت
أشعتها مجاري المياه الراكدة/ الراكضة فى منتصف شوارع المخيم الضيقة،
تدلف رائحتها على رمال الأرض الحبلى بالمفاجئات والحزن والمصائب والموت
والقهر والذل والعناء الذي ابتدأ قبل أن تبدأ حياة "غالب عادل الخسران"
بعشرات السنين، والذي لن ينتهي بمجرد انتهائه.
اشاعة الخبر في كل زقاق في المخيم كانت حاضرة قبل أن تصحو عصافير
الصباح، هنا الأخبار تتشكل وتنتقل بين الآذان والأفواه أسرع من طلقات
الرصاص وأقوى من وقع انهدام الحضارات وسقوط الجيوش، تتفرع الأخبار/
تتشعب الحكايا/ تتشكل الروايات المختلفة/ وتتنوع المصادر كل واحد يضيف
عليها ما يحلو له ويرضي ضميره... الأكاذيب والاشاعات تأخذ طريقها إلى
العقول والقلوب وتصبح في لحظات حقائق واقعة، أما الحقائق فتبقي طي
صفحات الحزن والبؤس والمعانة تاخذها أزقة المخيم المعتمة وتسحبها الأرض
الى أعمق الأعماق.
الشاب الذي أقام الدنيا وأقعدها بحكاياه وحركته ونشاطه قبل اختفائه،
أقام الدنيا ولم يقعدها بعد اختفائه، "غالب عادل الخسران" يموت
ولا يموت، يأخذ المعزون طريقهم الى بيت العزاء المعلن فلا يرون طقوس
العزاء ولا علامات موت، ويصدم الطرفان.
الشاب الذي لاقى من الفشل المخبأ بقدر ما لاقى من النجاح والشهرة، نال
إعجاب الكثيرين كما نال حقد البعض وكرهه، انقطعت اخباره، ولم يعد يشغل
بال المخيم الذي يغفو ويصحو على صوت الرصاص والانفجارات، إلا سر
الاختفاء الذي علم به الغرباء وصدم به الأقرباء ونسجت حكايا الموت
الذي وقع ولم يقع.
ينام المخيم على قصة ما في أزقته، ويصحو على قصة الحافلات التى جاءت
لتعزي ولم تجد بيت العزاء، لا وفاة ولا متوفين، من أين جاءت هذه
الحافلات وما قصة الميت الذي لم يعلم أحد بموته، حتى فوجئ الجميع
بالخبر، وحال المخيم يقول: " لقد كان بيننا بالأمس".
إنها الجامعة... على كل جدار من جدراها وكل مدخل فيها " التعازي الحارة
بفقدان الصديق والرفيق العزيز والغالي "غالب عادل الخسران"،
تقبل التعازي في منزل والد الفقيد الكائن في المخيم الفلاني قرب النصب
التذكاري للشهداء الفلانين...."، من الذي بث الخبر في الجامعة قبل أن
تفتح السماء عيونها..!!! من أين جاء بهذا الخبر.؟؟!!... يجتمع الطلاب؛
هناك من يصدق وهناك من يكذب وهناك من لا يتمالك أعصابه فيسقط باكيا في
إحدى الزوايا، هل هي دموع الفراق أم دموع الحيرة..!؟ الطالبات يتحسرن
على الوسيم الذي كان ملاك الجامعة "وسيد رجالها"، وتصحو فاتن على
فاجعة الفراق التي لم تكن تتوقع... هل سيعود "غالب عادل الخسران"
من جديد ام هو الذهاب بلا رجعة..؟ بالأمس كانت تتسلى واياه في المقهى
المشهور على شاطئ البحر وأهداها أول قبلة على راحتها ووعدها بالوعود..
هل رحل حقا؟؟...، المدرسون في الجامعة: " غالب عادل الخسران
مات.. لا حول ولا قوة الا بالله"
-
" انا لله وانا اليه لراجعون "
-
" الولد لسه بدري عليه والله خسارة "
-
" الولد ذكي ونبيه وبيفهمها وهي طايرة "
-
" طول عمره شاغل حاله بحاجات فاضية الله يرحمه "
-
" مبارح كان في القاعة وما كان مبين عليه شيء "
الخبر يصدق ولا يصدق، عميد الكلية يستغرب هذه الفوضى وهذا الاهتمام
بالطالب الذي يعتبره فاشلا، فلا يستطيع الا أن يكرم خصال الفقيد
وصفاته، مجلس اتحاد الطلبة في الجامعة يعلق الدراسة ويعلن اليوم حداداً
عاماً في الجامعة على فقدان أحد أهم رموز الحركة الطلابية في الجامعة،
رئيس الجامعة لا يقدر الا أن يصمت فيصدر قرارا باعداد الحافلات الخاصة
بالجامعة من أجل نقل المعزين من الطلبة الى مكان العزاء، ويقف رئيس
مجلس اتحاد الطلب يخطب في المعزين قبل الانطلاق:" فقدنا اليوم زعيما من
زعماء الانتفاضة مناضلا وقائدا فدا، فقدناه شهيدا للوطن والارض والحركة
الطلابية في الآراضي المحتلة، فغالب عادل الخسران كان منا ولكنه
لم يكن كأي واحد فينا؛ بل كان قائدا ومادفعا دائما عن الطلاب ومصالحهم
وحاضرا دائما في أصعب المواقف وأكثرها حساسية، غالب عادل الخسران
صاحب المواقف الصلبة والقرارات الصعبة، غالب الذي لم يطلب
أحد منه المساعدة الا وساعده نفقده اليوم......"، ثم تحدث عن رسالة
تلقاها من الفقيد مساءا.
وصلت حافلات المعزين وجيش الشعارات واليافطات، نزل المعزين لم يرو بيت
عزاء ولا علامات موت....
-
"يمكن نكون غلطانين في العنوان "
-
" يمكن لسه ما دفنوه "
خرج المخيم يستطلع الأمر وطارت الأخبار/
-
"أنا صاحبه وبأعرفه وهذه هو البيت"
-
" متأكد "
-
" أه متأكد ويلو.."
يخرج السيد عادل الخسران...يسأل ويُسأل.. وبعد أخدٍ ورد وجيئ وذهاب
اتضح أن غالب عادل الخسران لم يعد الى البيت منذ مساء الأمس
ولكن لا أحد يعرف شيء عن موته، وإن كان ذلك.. فمتى وأين وكيف ولماذا...
أين هي الجثة..؟؟؟ ولماذا لم نعرف نحن بالخبر ونحن أهله..!!!؟ وترى من
الذي نشر الخبر في الجامعة وكيف حدث هذا.....؟؟؟!!... تطايرت الاشاعات
وتناثرت الأسئلة والاجابات والكلمات والتحاليل والرؤي واختلف البعض
واتفق أخرون.. البعض قنع بتحليله للقضية وأخرون رأوا أشياء أخرى البعض
أجزم بالوفاة والبعض لم يصدق... ولا من جواب يشفي الصدور ويشبع حاجة
المخيم للمعرفة.. ومازالت الأمور هكذا حتى وقف الأب بعد ذلك بأسبوعين
وسط أهل البيت وأعلن "غدا نقيم بيت العزاء".
11-7-2003م
|